ثلاث حكايات عن الموتى

١- برهامى الهندى هناك حكاية أمريكية شهيرة عن رجل من الهنود الحمر ارتاد طائرة، للترحال إلى مدينة بعيدة داخل أمريكا، قطع الرجل آلاف الأميال فى سويعات قليلة، وهو أمر كان يستغرق أشهراً بمقاييس الهنود القديمة وأدواتهم البسيطة للترحال، وبعد وصوله إلى قاعة الاستقبال فى المدينة المسافر إليها، التقط متعلقاته سريعاً ثم افترش مقعداً وظل ليومين كاملين بلا رحيل، وحينما لاحظ الموظفون عدم تحركه من المطار، سألوه؛ لماذا تجلس هنا يا رجل هل ضللت طريقك فى المدينة، ولا تعرف أحداً، قال بحكمة؛ إننى وصلت سريعاً فى ساعات، لقد جاء جسدى، لكن روحى لم تأتِ بعد، وعلىّ انتظارها كى تأتى فى موعدها. كان الرجل صادقاً مع ذاته، فهو يمتطى أدوات العصر، لكن حياته اليومية، وطقوس معيشته ابنة لأزمان ماضية. ياسر برهامى حالة شبيهة، فهو ابن لعصر مضى أيضاً، ومخلص لمقاييسه واجتهادات فقهائه، من منحوا الملوك صكوك «الشوكة»، ودشنوا قواعد الاستقواء الطائفى عبر اجتهادات فى الدين، اجتهادات كمثل التى فعلها الحاكم بأمر الله من قبل عندما أمر الذميين بارتداء ملابس مميزة عن غيرهم من المسلمين وحمل صلبان خشبية ثقيلة تعوق حركتهم، أو تلك التى تجبر القبطى على النزول من أعلى دابة، لأنه صادف مسلماً يمشى فى الشارع، مثل هذه التصرفات يعتبرها من تعيش أرواحهم فى إمبراطوريات المسلمين القديمة «عزة» للدين، ويعتبرها أى باحث منصف ممارسات طائفية بغيضة لها سياقها التاريخى. وليس من المفترض أن يقفز هذا السياق على الحاضر، ليهدم المساواة والمواطنة، ويكون مسوغاً لحرمان فئة تحمل الجنسية المصرية من المناصب السيادية، حسب «برهامى»، لأنها غير مسلمة، مثلما صرح الرجل منذ يومين. «برهامى» لا يزال ينتظر، على مقعد المطار، روحه الساكنة فى مصر العثمانية أو الفاطمية. ٢- حسام بدراوى قدّم د. حسام بدراوى نفسه كوجه إصلاحى داخل «عصابة المصالح» المسماة الحزب الوطنى فى عصر «مبارك»، واشتهر فى منتديات النخبة وجلسات نميمتها بأنه رجل نظيف وسط دراكيولات الاحتكار والفساد، يحاول إصلاح البيت من الداخل، لا أن يبتعد إلى الضفة الأخرى من النهر ويرمى الحجارة، واستمر داخل أروقة السلطة للنهاية، وكتب التاريخ أنه آخر أمين عام للحزب الوطنى، وسوّق نفسه لفترة تلت السقوط كرجل لم يستطع إنقاذ القصر، لأن أصحابه كانوا أغبياءً أكثر من اللازم، ولم يقرأوا غضبة الشعب جيداً. إلى هنا، ورغم تهافت منطق الإصلاح من الداخل فى أنظمة الفساد والتوريث والاحتكار، ورغم كون هذا المنطق مجرد تبرير ديكورى للتماهى مع مشروعات الاستبداد دون التورط فى خطاياه الكبرى فإن الكثيرين لم يفقدوا احترامهم للرجل، وإن لم يصدقوه. هذا الأسبوع عاد «بدراوى» من العالم الآخر يقدم وصفة للمرشح الأقوى عبدالفتاح السيسى، تقول «لا بد لك أن تنشئ حزباً، إذا فكرت فى الرئاسة». مرة أخرى يعود حزب الرئيس، أو الحزب المفصل على مقاس الرئيس، مثلما كان حزب مصر، ثم الحزب الوطنى، وهى صيغة تجدد شباب «الوطنى» التى فشل «بدراوى» فى تطبيقها مع «مبارك». صحيح أن كل الساسة الكبار فى العالم الحر تقريباً أنشأوا أحزاباً، أو دخلوا من خلالها للعرش، لكنهم بدأوا سياسيين صغاراً عملقتهم أصوات الصناديق، وحازوا أغلبية بعيدة عن تماهى الدولة فى أحزاب مسلوقة، يُنشئها سدنة الرؤساء كى تأكل التنافس الحزبى وتداول السلطة. بعد ثورتين لم تعد مصر بحاجة إلى وصفات الموتى. ٣- حوار فى القفص بعد الحكم على قتلة خالد سعيد بعشر سنوات، حاول شرطى أن يخفف عن القتلة المدانين فربت على ظهر أحدهم فى تعاطف واضح، وقد يفهم المشهد فى سياق الشفقة الإنسانية على رجل يستعد لقضاء عقد وراء القضبان، لكن هذه الفكرة تسقط إذا أدركنا أن تأمين الجلسات جزء من عمل الشرطى الاعتيادى، ومن ثم فإن فكرة تعاطفه مع مذنب لمجرد الحكم، تبدو واهية، كما أن ينبوع الحنان لم نره يتفجر مع مجرمين آخرين، عاقبتهم المحكمة، لكن إذا وضعنا تفصيلة أخرى بجوار المشهد، وهى محاولة أهالى المحكوم عليهم الاشتباك مع الداخلية لأنها تخلت عن أبنائهم، ولم تساعدهم على النجاة من قضية تعذيب وقتل، ربما نفهم. فهذه هى ملامح مجتمع المماليك، الذى يتعاطف فيه مملوك لأن زميله عوقب، ويلوم أهلُه رؤساءه لأنهم تركوه يلقى عقابه على القتل. المشهد مملوكى بامتياز، يستدعيه أحياء من تراث الموتى. تراث لا يمكن أن يتعايش مع روح الثورة.