٢٥ يناير ١٩٦٧ و٣٠ يونيو ١٩٧٣

على السيد

على السيد

كاتب صحفي

حال الشعب المصرى بعد ٢٥ يناير ٢٠١١ كحالهم فى هذا التوقيت من سنة ١٩٦٧، أى قبل النكسة، وحالنا قبل وبعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣ كحالنا قبل انتصار أكتوبر ١٩٧٣. الطموحات قبل النكسة كانت تفوق الواقع.. الأحلام بعد تنحى مبارك فاقت حدود العقل، وظن الناس أن مئات المليارات المسروقة ستتدفق من خزائن الخارج، وسيختفى الفساد، وستحل مشاكل البطالة والعنوسة والمرور والإسكان والصحة والتعليم، وسينعم الجميع بالرفاهية.. لكن لم يقل لنا أحد كيف؟.. ظهر كم كبير من الدجالين والزمارين والفهلوية.. صفق لهم الناس وحملوهم على أكتافهم وأوصلوهم للصدارة، حتى إنهم جاءوا برجل «أهطل» وجعلوه رئيس وزراء، عماها بدلاً من أن يكحلها. المصريون، بفضل الشحن الإعلامى، كانوا يعتقدون أن «إلقاء إسرائيل فى البحر» أمر هين أمام قواتنا المسلحة العائدة لتوها من «نصر» فى اليمن، وأمام شعب «كسر» العدوان الثلاثى قبل تسع سنوات. لم يكن فى وسع أحد أن يناقش الواقع أو أن ينظر بقليل من العقل لما نمتلكه وما يمتلكه غيرنا.. كانت هناك حالة من «الزهو» تسيطر على العقول البسيطة و«المفكرة» أيضاًً. كان الجميع يرون النصر كأنه واقع بالفعل، لذلك لم يصدق الناس أننا هُزمنا شر هزيمة، فخرجوا فى مظاهرات حاشدة رافضة لتنحى «الزعيم». كانت المظاهرات المطالبة ببقاء جمال عبدالناصر حقيقية، لكنها أيضاًً رافضة لفكرة «الهزيمة».. تماماً كمن مات له شخص عزيز، فيرفض تصديق أنه «مات بالفعل».، أو كمريض السرطان الذى يرفض العلاج معتبراً أنه غير مريض.. الجيش المصرى وحده أدرك أنه هُزم، وأن عليه أن يبدأ من «الصفر» ليرد الصاع صاعين. دخل الجيش -رغم جراحه- فى حرب استنزاف طاحنة لثلاث سنوات. وكأحلام ما قبل الهزيمة كانت أحلام ما بعد «٢٥ يناير» التى ما إن نجحت فى إزاحة نظام مبارك حتى وقع الجميع فى فخ التضليل الإعلامى، وبدت أحلام العثور على «كنز» مبارك ورجاله المدفون فى بنوك أوروبا أمراً قريب المنال.. كثرت الأحلام وزادت المطالب.. قل العمل وتراجع الإنتاج.. امتلأت الرؤوس بالأفكار، وفرغت الخزانة العامة من الاحتياطى النقدى.. بالغ الناس فى الحرية، فسحقوا القانون بأحذيتهم.. كثُر الكلام عن الحقوق، وخرست الألسنة عن ذكر الواجبات.. كثيرون صدقوا أن الديمقراطية لا تمنع أن يحكمك القاتل والإرهابى والجاهل.. النخبة عصبت عينيها عن الماضى القذر لأكبر جماعة مجرمة فى التاريخ المصرى.. راح بعض من ينتسبون لهذه «النخبة اللعينة» يقدمون بيعة «الفيرمونت» لجماعة فى يدها سكاكين الموت وتحت ضرسها سم الأفعى. حكم الإخوان لمصر هزيمة مريرة كهزيمة ١٩٦٧.. هزيمتان ثقيلتان بسبب أن الأحلام كانت طائرة فى السماء ولم تلامس الأرض أبداً. المصريون قبل نصر أكتوبر كانوا أكثر واقعية، وتشككوا فى قيام الحرب.. كل شىء قبل أكتوبر ١٩٧٣ كان يقول إن عبور أكبر حاجز ترابى فى التاريخ مستحيل، حتى إن «موشيه ديان» قال إن اقتحام خط برليف يحتاج إلى سلاحى المهندسين الأمريكى والسوفيتى إلى جانب الجيش المصرى.. كانت كل المقارنات العسكرية تصب فى صالح الجيش الصهيونى، عدة وعتاداً، لكن أحداً لم يحسب سلاح الإرادة والإصرار على الانتصار.. لم يلتفت أحد إلى أن غالبية الدول العربية، وفى مقدمتها دول الخليج العربى، كانت موجوعة من هزيمة ١٩٦٧. كانت الوحدة العربية فى أعلى درجات نضجها.. أصبح الملك فيصل بن عبدالعزيز مقاتلاً عنيداً فى الوقوف إلى جوار جيش العرب، وأطلق الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كلمته الخالدة: «البترول العربى ليس أغلى من الدم العربى». كذلك فعلت الإمارات والسعودية بعد «٣٠ يونيو ٢٠١٣» بالدفاع عن مصر وجيشها، وقاتلت الدبلوماسية فى الدولتين الشقيقتين ضد مواقف أوروبا وأمريكا، ودعمتا الاقتصاد المصرى، وساندتا كل خطوات الجيش فى تحقيق طموحات الشعب المصرى فى الخلاص من الاحتلال الإخوانى البغيض. نحن فى وضع يشبه ما كان قبل نصر أكتوبر، لكننا فى حاجة لاستعادة «الرغبة فى القتال».. الهمم كانت عظيمة، والعمل دؤوباً.. الأحلام على قدر الواقع، والعزيمة شمس لا تغيب. الصهاينة كانوا يسبون جيشنا ويستهزئون به ويسخرون منه، وعدونا اليوم على نهجهم يسير، وَإِنَّا مع جيشنا لمنتصرون.