ياسر عبدالعزيز ياسر عبدالعزيز خطاب الكراهية وتداعياته الكارثية
10:03 م | الأحد 08 سبتمبر 2019

فى منتصف يونيو من عام 2013، أقام الرئيس الأسبق محمد مرسى مؤتمراً تحت عنوان «نصرة سوريا»، وهو المؤتمر الذى أعلن فيه قطع العلاقات مع حكومة دمشق، وإغلاق سفارتها فى القاهرة، فى حضور عدد كبير من قيادات القوى الإسلاموية، وجمهور «الإخوان».

كثيرون من المتابعين الحاذقين أدركوا آنذاك أن هذا المؤتمر دليل واضح على سلوك «الإخوان» الطائفى الحاد، الذى سيأخذ مصر إلى كارثة محققة، إذ حفل المؤتمر بكلمات وعبارات غارقة فى التحريض والإسفاف، استناداً إلى تأويلات دينية مغرضة، ومن بين ما قيل ضمن فعاليات هذا المؤتمر ما ورد على لسان أحد قادة الجماعات الدينية الذى وصف الشيعة بأنهم «أنجاس». بمجرد انتهاء فعاليات هذا المؤتمر، راحت وسائل الإعلام التابعة لتنظيم «الإخوان» تجتهد فى الترويج لما ورد فيه، عبر حملة منسقة استهدفت شن هجوم كاسح على الشيعة، باعتبارهم مارقين وخارجين عن الدين.

إحدى القنوات الإسلاموية البارزة آنذاك شنت حملة مكثفة من خلال أهم برامجها الحوارية لمطاردة من وصفتهم بـ«الشيعة الأنجاس»، وهى حملة تضمنت لقاءات مع «علماء دين» أفرطوا فى كيل الانتقادات وتوجيه البذاءات للمنتمين لهذه الطائفة، من دون تمييز، والأخطر من ذلك أن هذا البرنامج بدأ فى عملية لرصد وجود الشيعة فى مجال الأعمال والتجارة، وتحذير الجمهور من التعامل معهم أو شراء بضائعهم.

وبموازاة هذه الحملة التى ازدهرت على وسائل الإعلام التقليدية، كانت كتائب «الإخوان» والإسلامويين المتحالفين معهم، تجتهد عبر وسائط التواصل الاجتماعى فى تكفير الشيعة، والتحريض عليهم، وإهانتهم، واعتبارهم خطراً على الدين والأمة يجب اجتثاثه. يعطينا المثل السابق أنموذجاً واضحاً يمكن تدريسه فى الأكاديميات تحت عنوان: «كيف تصنع خطاب كراهية فعالاً ضد فئة أو جماعة؟».

ولأن خطاب الكراهية هو الخطوة الأولى فى صنع جريمة الكراهية، وكثيراً ما يؤدى إلى ارتكاب أبشع الجرائم وأكثرها خطورة على الأمن المجتمعى والسلم الأهلى، فقد وقعت جريمة الكراهية الخاصة بالشيعة بعد عشرة أيام تقريباً من إقامة مؤتمر «نصرة سوريا» المأفون.

فقد قتل مئات من أهالى قرية زاوية أبومسلم فى مركز أبوالنمرس، بمحافظة الجيزة، القيادى الشيعى حسن شحاتة وشقيقه واثنين آخرين، ثم سحلوهم فى شوارع القرية، وسط هتافات «الله أكبر» و«الشيعة كفار» و«الشيعة أنجاس»، اعتراضاً على وجود «شحاتة» فى القرية، وإقامة احتفالات شيعية فى أحد بيوتها، كما ذكر بعض المشاركين فى المجزرة لوكالات الأنباء العالمية.

كان هذا حدثاً غريباً وفارقاً فى مصر التى لم تعرف مثل هذه المجازر التى يشنها مهووسون على أساس طائفى، كما كانت هذه الواقعة تحديداً بمنزلة جريمة كراهية مكتملة الأركان؛ إذ تم قتل أناس مسالمين، لم تثبت إدانتهم بجرم، بواسطة جمهور مهووس، بسبب هويتهم الدينية، النابعة من اعتقادهم، كما تم سحلهم والتمثيل بجثثهم، فيما لم يدرك أى من مرتكبى هذه الجريمة الشنعاء أنهم يفعلون شيئاً خطأ، بل راحوا يحتفلون لأنهم «قتلوا الكفرة ونصروا الإسلام». قبل ثلاثة شهور، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش رسالة وجهها إلى العالم، قال فيها: «تجتاح الكراهية جميع أنحاء العالم فى مسيرة زاحفة. وتستهدف موجة خطيرة من التعصب والعنف القائم على الكراهية معتنقى الكثير من الديانات فى أرجاء المعمورة، وما يثير الأسف والقلق أن هذه الحوادث الأليمة باتت مألوفة إلى حد بعيد».

الأمين العام للأمم المتحدة لديه حق فى إصدار هذا التحذير، لأن جرائم الكراهية تقع باطراد استناداً إلى خطابات الكراهية وقيام بعض المأفونين من أصحاب المصالح المشبوهة بترويجها لتحقيق مكاسب وضيعة. يمثل مؤتمر «نصرة سوريا» توجيهاً سياسياً من الرئيس «الإخوانى» «مرسى» بكراهية الشيعة، وتمثل الحملة التى تضافرت فيها وسائل إعلام تقليدية ووسائط تواصل اجتماعى تابعة لـ«الإخوان» ترويجاً وتأجيجاً لهذا الخطاب، وتجسد جريمة أبوالنمرس «جريمة كراهية» مكتملة الأركان، حدثت لأن خطاباً كريهاً مهد لها وقاد الجمهور المستلب لارتكابها. فى الأسبوع الماضى، نظمت الهيئة القبطية الإنجيلية مؤتمراً مهماً، فى الإسكندرية، تحت عنوان: «نحو مواجهة فاعلة لخطاب الكراهية.. رؤية لتمكين الأفراد والمؤسسات»، وهو المؤتمر الذى شاركت فيه نخبة من العلماء والمثقفين وأصحاب الرأى، على مدى يومى عمل استهدفا تشخيص خطاب الكراهية، وتعيين مدى خطورته، واستعراض تجارب فى مجابهته، وتقديم توصيات للتعاطى معه بما يحد من أثره الخطير على السلم الأهلى والأمن المجتمعى.

وفى هذا اللقاء أكد رئيس تحرير «الوطن» الصديق الأستاذ محمود مسلم أن الإعلام ليس مسئولاً وحده عن إشاعة خطاب الكراهية، بل إن هناك أطراً عديدة تقوم بترويج مثل هذا الخطاب، لافتاً بشكل خاص إلى دور المؤسسات الدينية وبعض علماء الدين الذين لا ينطلقون فى خطابهم من قيم قبول الآخر والمشاركة والفهم الواعى لصحيح الدين والإدراك السليم لمفهوم المواطنة.

والواقع أن «مسلم» على حق فى ما ذهب إليه، فقد كانت بداية جريمة أبوالنمرس على لسان عالم دين للأسف الشديد، وصف الشيعة بأنهم «أنجاس»، فى وجود رئيس دولة لم يدرك أنه مسئول عن احترام التوجهات الدينية للمواطنين طالما أنهم لا يخرقون الدستور أو القانون. ولذلك، فقد أكد كاتب هذه السطور، خلال كلمته فى المؤتمر، أن جزءاً كبيراً من خطورة خطاب الكراهية على الأوضاع فى مصر، وغيرها من دول العالم، يكمن فى الجهل به وعدم إدراك الأطراف المعنية لأبعاده وخطورته.

وببساطة شديدة، فإن خطاب الكراهية الذى أدى إلى وقوع الجرائم الكبيرة فى أبوالنمرس، وإمبابة، والكشح، ونيوزيلندا، وفرنسا، وبلجيكا، والولايات المتحدة، والذى دمر «الإسلامويون» بسببه الكنائس فى مصر فى 2013، ليس سوى «تعبير مستند إلى حالة ذهنية تتسم بانفعالات حادة من العداء والمقت والاحتقار تجاه مجموعة أو شخص على أساس عرقى أو قومى أو دينى أو حالة صحية أو طبقة اجتماعية، مع وجود نية لترويج البغض ضد المستهدفين، والتحريض على ازدرائهم أو ارتكاب العنف ضدهم». يجب أن نتوقف عن إشاعة خطاب الكراهية لأنه الخطوة الأولى نحو ارتكاب جرائم الكراهية، وينبغى أن نلاحق أصحاب هذا الخطاب، ونمنعهم من ترويجه وتقويض سلمنا الأهلى وأمننا الاجتماعى.

تعليقات الفيس بوك

عاجل