فريق إنقاذ متطوع داخل شواطئ الإسكندرية: بننقذ المتعلق بقشاية
فريق إنقاذ متطوع داخل شواطئ الإسكندرية: بننقذ المتعلق بقشاية
على شاطئ «البوريفاج» فى منطقة سيدى بشر القريبة من المنتزه بمحافظة الإسكندرية، كان المصطافون يودّعون البحر فى آخر أيام الإجازة وفصل الصيف معاً، زحام شديد، حركة لا تهدأ، مياه البحر هى الأخرى أخذت تتمايل بحركة أمواج انسيابية تداعب الأطفال وتحملهم فوقها بخفة قبل أن تلقى بهم على الشاطئ مرة أخرى، لتتعالى ضحكاتهم، ويعودون ليرتموا فى أحضان البحر ثانية، المياه هادئة وصافية، أجواء كفيلة بأن يمتلئ الشاطئ بالزائرين من جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية، فقيمة تذكرة الدخول التى لا تتعدى الـ25 جنيهاً كحد أقصى كانت من الأمور المشجّعة والدوافع القوية لأن يكون هذا المكان تحديداً محل جذب للجميع حتى لمن هم من خارج المنطقة.
عقارب الساعة تشير إلى الثانية ظهراً، وفى الشارع الرئيسى وعلى الجهة المقابلة لـ«البوريفاج»، كان مدرب الغوص «إيهاب الملحى»، يوقف محرك سيارته عن الدوران، ينزل منها ليتّجه مباشرة إلى المقعد الخلفى الذى امتلأ عن آخره بمعدات الغوص والإنقاذ، تحسباً لأى حادث، فهى بمثابة جزء أساسى داخل السيارة، يتوارى عن أنظار طلابه، الذين كانوا فى انتظاره أمام البوابة الحديدية للشاطئ، حيث ذاع صيته وتعرّفوا عليه عن طريق إحدى الصفحات المهتمة بشئون الغوص والغطس والإنقاذ، دقائق قليلة يظهر بعدها «الملحى» مدرب الغوص الأربعينى بعد أن خلع قميصه الأنيق وبنطلونه المريح وحذاءه اللامع، التى كان يرتديها أثناء عمله مديراً مالياً بإحدى شركات الخدمات البترولية، ليبدو كأحد الغواصين الذين تعتمدهم بعض الشواطئ الخاصة والقرى السياحية لإنقاذ من شارف على الغرق أو لانتشال جثث الموتى، الذين جرفتهم الأمواج الغاضبة وابتلعهم البحر وأبى أن يلفظهم.

"الملحى": أعمل أنا وفريقى بشكل تطوعى واستخرجت الكثير من الجثث
داخل الشاطئ المفضل لدى «الملحى»، لكونه من الشواطئ ذات التكلفة المنخفضة، بالإضافة إلى تعاون العاملين فى المكان وعدم اشتراط تصريح لممارسة رياضة الغوص، كان فريقه المكون من 10 غواصين على أهبة الاستعداد لنزول البحر فى تجربة جديدة للغطس، الجميع يرتدون بدلة الغوص السوداء الخاصة بهم، بالإضافة إلى نظارات الغوص التى استقرت فوق رؤوسهم.
فى البداية، يحرص «الملحى» على التقاط صور تذكارية على الشاطئ برفقة طلابة مشيرين بشعار الغوص المكون من ثلاثة أصابع والمشابه للرقم ٣، قبل الشروع فى رحلة الغوص.
يركض بعدها الفريق نحو البحر بسرعة شديدة فوق الرمال الحارة، البعض يقفز لعدم تحملهم سخونة الرمال تحت أقدامهم، إلا إنهم يتوقفون بلا حركة، فى انتظار إشارة البدء من «الملحى»، حيث يقوم بالإشارة بإحدى يديه، أو فى أحيان أخرى يطلق صافرته، ليقفز الغواصون الـ10 داخل المياه الباردة لتخفّف من حرارة أجسادهم التى ساهمت الخامة الثقيلة لبدلة الغوص فى ارتفاعها.
أثناء التدريب وحتى عمليات الإنقاذ والانتشال التى يقوم بها «الملحى» لا يُسمح له مطلقاً بحمل «تانك الهواء»، الذى يستقر عادة فوق ظهر الغواص ويبلغ وزنه ٢٠ كيلوجراماً، إلا أنه بمجرد نزول الغواص للماء يتحول وزن الأسطوانة لصفر، فلا يشعر من يحملها أن هناك ثقلاً فوق ظهره.
تتكرّر عمليات الغطس والغوص حتى الحاجز الآمن ذهاباً وإياباً عدة مرات على ألا يقوم أى غواص بنزول البحر بعد غروب الشمس إلا فى حالة الضرورة القصوى كإنقاذ أو انتشال غريق.
بعد انتهاء الحصص التدريبية، يعود الجميع لحياتهم الشخصية، ويكونون على استعداد تام لأى طارئ أو حالة غرق يتم الاستنجاد بهم لها، والتى ما تكون فى الغالب للبحث، ومن ثم العثور على الجثة، وليس الإنقاذ.
يقول «الملحى» إنه عند إبلاغه بحالة غرق وضياع الجثة وسط البحر، فإنه يضطر إلى ترك عمله أو إنجازه فى أسرع وقت والتوجه مباشرة إلى موقع الحادث، ورغم كونه متخصصاً فى عمليات الإنقاذ والانتشال فى محافظتى الإسكندرية ومطروح، إلا أن ضميره وإنسانيته تفرضان عليه تلبية نداء المستغيثين به حتى إن كانت خارج نطاق المدينتين، لأن عملنا إنقاذ الإنسان «المتعلق بقشاية»، وآخرها انتشال جثمان طالب الطب أحمد مجدى، الذى غرق فى أحد شواطئ مدينة دمياط الجديدة.
يقول «الملحى» إنه ليس بالضرورة على جميع أعضاء الفريق أن يحضروا عملية الانتشال، لكن يتوقف الأمر حسب الظروف الشخصية لكل فرد.

"دهب": نستدل على مكان الجثة من رائحتها داخل المياه وهناك تدرج فى استخدام المعدات
بجوار المدرب الأربعينى يقف محمد دهب، الذى يعمل موظفاً بإحدى الشركات، يؤمن على كلام مدربه، الذى عادة ما يكون برفقته أثناء انتشال الغرقى، حيث حفرت الجروح بصماتها بقوة فوق ساقيه أثناء عملية تخليص جثمان طالب الطب الذى لقى حتفه غرقاً قبل عدة أيام فى مدينة دمياط الجديدة من بين الصخور التى احتجزت جثمانه بعدما جرفته الأمواج الغاضبة، حيث عمل «دهب» و«الملحى» ٦ ساعات متواصلة فى عملية تفتيت الصخور باستخدام «الهيلتى» وسط ظلام البحر وعتمته وأمواجه المتلاطمة بعد تعذّر المحافظة فى توفير «ونش» لرفع الصخرة التى يزيد وزنها على ١٠ أطنان، حيث يقول «الملحى» إنه بحضور الونش كان سيتم انتشال الجثمان فى مدة زمنية أقصاها نصف الساعة.
ويقول «دهب» إنه فى حالة غرق أى شخص على مسافة قريبة يتم استخدام «العوامة» أو طوق النجاة، أما عندما تقوم الأمواج بسحب الغريق، فلا بد من توافر «جيت سكى»، للوصول الصحيح فى وقت قياسى، لكن بعد توارى الجثة عن الأنظار يقوم الغواص بعملية البحث، التى عادة ما يعثر من خلالها على الجثة عن طريق رائحة الضحية، رغم كونها داخل المياه، حيث لا يمكن لأحد تمييز تلك الرائحة، التى تقودهم لمكان الغريق سوى من يقوم بعمليات الإنقاذ، بعد العثور على الشخص يتم استخدام حبل به عدد من الكرات الملونة لإخبار قوات الحماية المدنية والغواصين التابعين لها بمكان الضحية، استعداداً لانتشالها.