قالوا الصعيد سيغرق، تمتم المسئول الكبير: «وإيه يعنى تأتى السيول ويبقى الصعيد».. قالوا السيول أغرقت الصعيد، ابتسم المسئول الكبير: «توقعنا فى محله جاء السيل، وبقى الصعيد».
غرقت القرى والنجوع وشوارع المدن وتهدمت البيوت ودُمرت المحاصيل وبات الناس فى العراء.. ومع ذلك انتفخت أوداج المسئول الكبير وصرح فى ثقة تامة: «كله تحت السيطرة».. توسدت وسائل الإعلام القاهرية وسادة «كله فى الصعيد تحت السيطرة» ونامت قريرة العين.
لم يحظ خبر «غرق الصعيد» بواحد فى المائة مما حظى به خبر القبض على الراقصة صافينار فى عز الليل، لأنها لم ترقص لحساب سيدة الموسم وكل موسم «شهيناز».. لم تلفت البيوت التى جرفتها السيول عيون إعلام الخزى مثلما خطفها خبر انسحاب «رجل تافه» من سباق لم يبدأ بعد.. لم ينفعل إعلام الفضائح على تدمير آلاف الأفدنة الزراعية مثلما انفعل على «تسريب صوتى» لرجل كان ينتظر قطعة من «لحم الدولة العارية»، وعندما لم يجد عَقَر أقرب الناس، ثم وصفوه بالرجل الشجاع لأنه لم ينكر.. وهل كان بإمكانه أن يقول شيئاً يخالف اعترافه الصوتى، أو يقول لم أقل.
غرق الصعيد، فقلنا، ومنذ متى لم يكن الصعيد «غريقاً»؟ لا تمتد له يد، ولا تهرع إليه فرق الإنقاذ.. أحزان الصعيد لا تبكى أحداً، ومواجعه لا تواسى.. الصعيد سرادق كبير لا يأتيه معزون إلا من أهله.. الصعيد عرف الدولة جيداً وأعطاها ظهره، مثلما أغلقت حكومتها كل الأبواب فى وجهه.
غرق الصعيد فى ماء السيول المعروفة سلفاً، والمنشورة فى كل الصحف، ولم تفعل له الحكومة شيئاً.
رئيس الحكومة قال فى مستهل تكليفه: «تنمية الصعيد هدفى» وسافر إلى المحلة. لا بأس نحن أهل الصعيد نقر أن مشاكل «عمال المحلة» أهم بكثير من غرقنا، لأنهم متمردون وغاضبون وناقمون ورافضون.. وقريبون من «قلب العاصمة».. نقر ونعترف أن إضراب سائقى النقل العام بالقاهرة أهم من انهيار آلاف البيوت فى الصعيد.. نعرف أن كلمة «تنمية الصعيد» مضغة فى فم الحكومات المتعاقبة.. نعرف أن محلب لا يقصد، ولو كان يقصد لجاء بوزير واحد من أهل الصعيد.. ندرك فى الصعيد أننا بعيدون عن العين والقلب.
ليس فى الأمر غرابة أو دهشة، فـ«محلب» لن يكون رئيساً حقيقياً للحكومة إلا إذا تكلم عن «تنمية الصعيد» ومشاكل الصعيد، ثم يسأل بعد السيول: هل ما زال الصعيد على حاله.. ذكرونى فيما بعد أن نتكلم عن خطتنا للنهوض به إن كان موجوداً؟
انظر إلى حكومة محلب أو الببلاوى أو قنديل أو شرف أو من قبلهم واسألوا هل كان الصعيد ممثلاً بوزير واحد؟ طبعاً لا أريد أن تكون للصعيد «كوتة وزارية»، لكنى أسأل ألا يوجد فى الصعيد من يصلح أن يكون وزيراً؟ وإذا كان أهل مكة أدرى بشعابها، فإن أهل الصعيد وحدهم يعرفون مواجعهم وطرق علاجها.. التنمية لا تكون إلا بحلول أهل المكان، وفى الصعيد يعرف خبراؤه وعلماؤه كيف يكون الصعيد قاطرة التنمية فى مصر كلها.. الصعيد الذى أنجب الطهطاوى والعقاد وطه حسين.. لديه من العلماء ما يجعله إقليماً رائداً للصناعة والزراعة فى مصر، لكن إرادة الحكومة فوق إرادة الصعيد، ويدها دوماً عليه لا معه.
لا يعرف محلب ولا غيره من رؤساء الحكومات السابقة شيئاً عن الصعيد ولا يهمهم أن يعرفوا.. «تنمية الصعيد» نكتة لا تضحك أحداً، فلا يمكن أن ينهض الإقليم وحكومة دولته لا تستعين بأحد من أهله.
الدولة تكره الصعيد، وتجعله «عقاباً» لموظفيها.. هذه حقيقة لأنه دائماً منبوذ ومهمل، عاقبته لأن الإرهاب طل من نجوعه وكفوره، وها هى تعاقبه لأنه كان سنداً للإخوان فى خطف الدولة.
قالوا لا يوجد سبب واحد يدفع الصعيد للجرى وراء سراب دولة الإخوان الهمجية الرافضة لأبسط قواعد العدل والقانون غير أن الصعيد دخل مرحلة الموت السريرى. قلب ينبض وعقل تكفن، قلنا أنتم من دفعه إلى حضن هذه الجماعة، وكان أول من نفض غبارها عن جبينه.. قلتم عار على الصعيد أنه بايع دولة الإرهاب يوماً ما.. قلنا إذا كان عاراً على الصعايدة أن يكونوا قطيعاً ذليلاً لأحد، فعار أكبر على من شاهدوا الصعيد يضع رأسه على مقصلة الإرهاب وصمتوا. قالوا كان عاراً على الصعيد أن يستبدل شرف الرجولة بخداع من يسرقون مستقبل الأوطان ليصنعوا عالمهم الخاص، فقلنا عار أكبر على من وقفوا يوماً يستبدلون كلمة إرهاب بـ«فصيل سياسى» والمحظورة بالحاكمة.
الصعيد ليس مغارة جبلية، ولا إقليماً معادياً، فعلى ماذا تعاقبه الحكومات؟ هل كثير على الحكومة مواساة غرقاه ودعم متضرريه؟ هل كثير على أهله مجرد «الزيارة والسلام»؟