إصلاح هيكل النمو.. الخطوة القادمة!
- دينا عبدالفتاح
- الموازنة العامة للدولة
- البنك الدولى
- دينا عبدالفتاح
- الموازنة العامة للدولة
- البنك الدولى
بعد أن أنجزت الدولة خطتها للإصلاح النقدى والمالى، التى استندت على عدد من المحاور أهمها إصلاح الخلل فى الموازنة العامة للدولة، وترشيد الدعم، هذا فيما يخص الإصلاح المالى.
وشملت أيضاً تعديل آلية الصرف الأجنبى، من خلال قرار تحرير أسعار الصرف، ووضع سياسات جديدة متطورة لإدارة القطاع المصرفى، هذا فيما يخص الإصلاح النقدى.
كما شملت إعادة بناء البنية التحتية للدولة، وتحسين إجراءات الاستثمار، الأمر الذى انعكس على تقييمنا فى مؤشر ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولى، وكذلك على تقييمنا كنقطة استثمار رئيسية على الخريطة العالمية.
هذه الإصلاحات، كان لا بد منها، حتى نضع اقتصاد مصر على بداية الطريق الصحيح، ولكن يبقى علينا دفع هذا الاقتصاد للسير السريع فى طريق النمو، وتحقيق قفزات كبيرة فى مؤشراته الرئيسية وخاصة الاستثمار والتشغيل والتصدير.
هذه القفزات لن تتحقق إلا فى ضوء مرحلة جديدة من الإصلاح يطلق عليها «الإصلاح الهيكلى»، وهذه المرحلة تتعلق بتعديل هيكل الناتج المحلى الإجمالى ومسببات النمو فيه، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، وتعزيز أداء قطاع الخدمات، وفتح أسواق جديدة للتصدير.
وهذا الإصلاح يمكن توضيحه من الناحية الاقتصادية البحتة، من خلال استعراض معادلة الناتج المحلى الإجمالى (مدخل الإنفاق)، التى تتكون من 5 متغيرات رئيسية، هى الاستهلاك العائلى C، الاستهلاك الحكومى G، الإنفاق الاستثمارى I، الصادرات X، الواردات M.
هذه المكونات الخمسة هى التى تشكل معادلة الناتج المحلى الإجمالى فى مصر، بحيث يتم جمع المتغيرات الأربعة الأولى وطرح المتغير الخامس الخاص بالواردات منها (C+G+I+X-M).
وبالتالى زيادة قيمة أى متغير من المتغيرات الأربعة الأولى تعنى دعم الناتج المحلى، أما زيادة المتغير الخامس (الواردات) فتعنى تأثيراً سلبياً على قيمة الناتج المحلى، وبالتالى نحن بحاجة ماسة إلى ترشيد الواردات.. هذا أولاً.
أما ثانياً، وباستعراض أرقام معادلة الناتج المحلى الإجمالى لمصر عن فترة أول 9 أشهر من العام المالى الماضى 2018/2019، المنتهية فى مارس 2019، سنجد أن هناك مشكلة كبيرة فى هيكل الناتج المحلى فى الاقتصاد المصرى، وهى اعتماده بشكل كبير على الإنفاق الاستهلاكى العائلى، حيث يمثل الاستهلاك العائلى نحو 84.3% من الناتج المحلى خلال هذه الفترة، بينما يمثل الإنفاق الاستهلاكى الحكومى 7.4% من الناتج أى أن مجموع مساهمة الإنفاق الاستهلاكى فى الناتج هى 91.7%!
هذا أمر خطير للغاية، لأنه يأتى على حساب الإنفاق الاستثمارى الذى يمثل 17.1% من الناتج فقط، والصادرات التى تمثل رقماً محدوداً للغاية فى معادلة الناتج فى مقابل واردات برقم كبير، الأمر الذى ينتج عنه تأثير سلبى لصافى الصادرات (X-M) على الناتج بحوالى -10%.
وهنا لماذا ينبغى علينا إعادة تخطيط الناتج لتعزيز مساهمة كل من الاستثمار والصادرات فيه؟
الإجابة ببساطة لأن الإنفاق الاستثمارى يعنى بناء مصانع وشركات ومشروعات فى الاقتصاد ستساهم فى زيادة الإنتاج فى المستقبل، وتعزيز مساهمة المنتجين المحليين فى المعروض المحلى، على حساب الإنتاج المستورد، وتعزيز قدرتهم على التصدير للسوق العالمية، وهنا تتحقق القيمة المضافة العالية فى الاقتصاد، ويتحرك الناتج بمعدلات سريعة، ويكون «الاقتصاد قائماً على الاستثمار بشكل كبير وليس على الاستهلاك»، وتلك هى الجملة الشهيرة التى نسمعها بشكل متكرر دون تفسير واضح لها.
أما الإنفاق الاستهلاكى الكبير الذى يمثل تلك النسبة المخيفة بأكثر من 91% من الناتج المحلى، فلا يترتب عليه أى إنتاج فى المستقبل، ووفقاً لمعادلة توفير احتياجات هذا الاستهلاك فى مصر، للأسف نجد أن الواردات هى مصدر رئيسى وكبير جداً لهذا الاستهلاك، ومتنامٍ، وقيمة الواردات اتفقنا أنه يتم طرحها من قيمة الناتج المحلى الإجمالى، أى تأثير سلبى كبير على النمو.
وهنا علينا تحفيز المستثمرين والشركات على زيادة إنفاقهم الاستثمارى، والتوسع فى بناء المشروعات المختلفة، وذلك من خلال عوامل تحفيز متعددة يمكن تقديمها للقطاع الخاص، لزيادة نسبة مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى من 69.3% حالياً إلى أعلى من 85% وفقاً لمتوسطات مساهمة هذا القطاع فى الدول التى نجحت فى تحقيق طفرات اقتصادية كبيرة، ولابد أن يأتى ذلك على حساب مساهمة القطاع العام فى الناتج والتى تسجل حالياً 30.7% ولابد أن تتراجع لما دون 15% فى فترة وجيزة، لأكثر من عامل أهمها إفساح الطريق لعمل القطاع الخاص المحلى والأجنبى، ولأن الدولة لن تستطيع مساندة النمو فى المستقبل كما فعلت فى الماضى، باعتبار أن مساهمتها فى الماضى كانت قائمة بشكل رئيسى على نفقات ضخمة على مشروعات البنية التحتية لن تتكرر فى المستقبل القريب.