الدكتور باسم يوسف، كالدكتور توفيق عكاشة، كلاهما له شعبية كبيرة.. كلاهما يغضب من تشبيهه بالآخر، كلاهما يرى نفسه بطلاً، فعند كل واحد قناعة بأنه يصنع شيئاً عظيماً يحبب الناس فيه.. وإذا ما انتقدت أحدهما، تجد من يسبك بأجر ويلعنك بغباء.. «باسم» يسخر وينتقد «توفيق»، والعكس صحيح..
بالنسبة لى لا أتابع الاثنين.. شاهدت لهما أجزاء بسيطة من حلقات قليلة، وغالباً كانت المشاهدة اضطرارية، أى عند وجودى مع أصدقاء.. لم يعجبنى هذا أو ذاك إلا فيما ندر.. الاثنان ظاهرتان متشابهتان، ويعبران عن انهيار قيمى مروع، فهذا يسب، وذاك يسخر، دون قيمة واحدة إيجابية.. الاثنان يصنعان من المجتمع المصرى «سيرك» كبيراً يتصارع أهله على «محفظة التاجر.. سيرك يقدم صورة مزخرفة لعالم مسكون باللصوص، والقتلة، وأولاد الليل، والقوادين.. سوق لا أحد يكسب فيها إلا على حساب شخص آخر غافل، أو ساذج، أو مخدوع. لست هنا بصدد المقارنة بين الساخرين، أو النجمين الشعبيين، فأنا أكره السخرية من أى شخص وأراها جارحة ومهينة، كما أنها لا تأتى بنتيجة سوى تقسيم الناس بين محب وكاره.
السخرية طريقة حقيرة، وليست وسيلة نقد لأعمال وأفعال الناس، وهى عكس «فن الكاريكاتير»، أو «المسرح الكوميدى». هى طريقة تسطيح للقضايا المهمة، وتحقير لبشر اجتهدوا ونجحوا أو فشلوا.
ويكفى أن رب العزة نهى عنها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11).
وعلى هذا، لا أحرص ولا أهتم بمتابعة الرجلين بصورة اعتيادية أو شبه اعتيادية، ولست مهتماً بهما ولا يشغلان تفكيرى، ولم أتخيل أن أكتب اسم أحدهما فى جملة مفيدة يوماً ما.. ولأن نجم الموسم يكتب مقالات فى صحيفة «الشروق» لسان حال الإخوان القتلة، والمعبرة عن شرور «دولة موزة».. وموقفى مما يكتبه «باسم» كموقفى من برامجه، فليس ضرورياً أن تأكل بيضة فاسدة، لتتأكد أنها فاسدة، يكفى أن تشتم رائحتها، إلا أن صديقة أرسلت لى رابطاً لشىء لا يجوز أن يندرج تحت مفهوم الكتابة.. قرأت نصف شىء يشبه فى الشكل «مقال صحفى».. وبعيداً عن الأسلوب الركيك والجمل المفككة والمعانى الهابطة.. قرأت ما كتبه نجم الفضائيات المشوشة، فى نقد خطاب المشير عبدالفتاح السيسى الموجه لشباب الكليات العسكرية.. لم أستطع أن أكمل، وتذكرت رجلاً مجنوناً فى قريتى بالصعيد، كان يسب بأفظع الشتائم كبار العائلات، فينفجر كل من يسمعه فى هستيريا ضاحكة.. كانت تنتاب الناس حالة من الجنون، لدرجة أنهم لا ينتبهون إلى أن هذا المعتوه يسب آباءهم، بل كان يسب الذات الإلهية دون أن يوقفه أحد.. باسم ليس مجنوناً، ولهذا لا يسب الذات الإلهية، ولو وجد فرصة، سيفعل طالما أن السخرية تجلب شهرة عظيمة وملايين كثيرة.. قرأت كماً مفزعاً من الغل والحقد والكراهية، وليس «نقداً» للخطاب الذى كان «دعوة» للعمل وصرخة من المشير تطالب الناس بالتضحية ومضاعفة الجهد لأن الوطن فى خطر، ولأن باسم لا يعرف معنى «العطاء» كونه يأخذ فقط، ولا يهتم بكلمة «وطن»، إلا إذا تحول الوطن إلى رجل يعطى لباسم ما يحب، أو ما يريد، حتى لو كان فيه ما لا يصح ولا يجوز.. «باسم» المنعم بملايين الدولارات، عنوّن مقاله «مجازاً» بعنوان ساخر: «أجيبلكم منين؟»، ورغم أن المشير قال إن مصر لن تنهض إلا بالعطاء ومضاعفة العمل والإنتاج، إلاّ أن «باسم» بصفته أحد المتخوفين من «نهوض مصر»، راح يخرج كل ما فى جوفه من عفن ويتقيأ على صفحات جريدة إبراهيم المعلم، وطبعاً هذا القىء لعقه الكثير من كلاب السكك وشمامى الأحذية وأبناء السِّفاح. المقال يشجع المضربين عن العمل على الاستمرار فى الإضراب، للضغط على الدولة العارية، والتى لم يعد فى جسدها من تعطيه، غير أن تبقى عارية يتفرج أعداؤها على عظامها الناخرة. سهلة يا سيد باسم.. الدولة علمت بالمجان فى كليات الطب ولا تملك إلا رواتب على قدر ظروفها، والذى لا يعجبه يستقيل.. «باسم» يزايد على عمال مصر ويتلاعب بظروفهم حتى يظلوا على اعتصاماتهم وإضراباتهم. باسم يملك بمفرده حل مشاكل عمال مصنع كبير لو تبرع براتب شهرين، فهل يفعلها؟
أنا أعتبر الإضراب الآن خيانة للوطن، ومتاجرة باللحم العارى، وأعتبر من يحرض على الإضراب عن العمل يرتكب فعل الخيانة العظمى، وأنت تفعل ذلك بجنون «مستر باسم»، لأنك تكره هذا البلد، وأى عدم تعطيل للعمل والإنتاج، يؤذى مشاعرك الرقيقة ويجرح أحاسيسك الناعمة.