الجغرافيا وأزمة النظام السياسى فى لبنان

محمود توفيق

محمود توفيق

كاتب صحفي

ما شهده لبنان من تظاهرات واحتجاجات فى الأيام الأخيرة ما هو إلا امتداد لمظاهر عدم الاستقرار السياسى الذى يشهده هذا البلد منذ بداية عهده بالاستقلال عام 1944. فعلى مدى هذه الفترة شهد لبنان الكثير من مظاهر عدم الاستقرار السياسى، لعل أبرزها كثرة التعديلات الدستورية والمواثيق الوطنية والاغتيالات السياسية والمذابح الجماعية، فضلاً عن صعوبة تشكيل الحكومات نتيجة الخلاف حول توزيع الحقائب الوزارية بين الكتل والأحزاب السياسية، التى يقدر عددها بنحو 63 حزباً، تتوزع انتماءاتها بين سبع عشرة طائفة ما بين مسيحية ومسلمة، فى بلد لا يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة. وتجلت أبرز مظاهر عدم الاستقرار السياسى فى الحرب الأهلية الطائفية - العشائرية، التى استمرت قرابة عقد ونصف والتى لا يزال لبنان يعانى من تبعاتها حتى الآن.

وعلى الرغم من أن هذه التظاهرات والاحتجاجات الأخيرة كان ظاهرها يتعلق بأسباب اقتصادية، فإن باطنها كان يتمثل فى أسباب سياسية تتعلق بطبيعة تركيب النظام السياسى فى لبنان والتى جعلته عاجزاً فى مواجهة كثير من المطالب والتهديدات والضغوط النابعة من البيئة العامة التى يعمل فيها. فكما ردد المتظاهرون نداء «شبعنا جوع... شبعنا ذل»، نراهم فى الوقت نفسه يطلقون صيحاتهم بشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام».

فطبيعة تركيب النظام السياسى الذى نص عليه دستور عام 1926 وتعديلاته المتلاحقة فى أعوام 1927، 1929، 1943 وعام 1990، تقضى بتوزيع السلطة السياسية على أساس التوازنات الطائفية وفقاً لبيانات تعداد سكان عام 1932 والذى لا يزال هو التعداد السكانى الوحيد والمعتمد رسمياً حتى الآن، فبموجب هذا التعداد الذى احتسب المقيمين فى الخارج فى التعداد رغم انقطاع صلاتهم بالوطن، أصبح المسيحيون يمثلون أغلبية بين سكان لبنان بمثل ما أصبحت الطائفة المارونية هى أكبر الطوائف والتى عارضت من وقتها إجراء أى تعداد سكانى آخر يمكن أن يخل بهذا التوازن. وبناء على هذا التوازن الديموغرافى التاريخى بين الطوائف المختلفة والتى تضم السنة والشيعة والدروز والروم والأرمن الأرثوذكس والكاثوليك، يقضى دستور البلاد بأن يكون رئيس الجمهورية مارونياً ورئيس الحكومة سنياً ورئيس مجلس النواب شيعياً وقائد الجيش مارونياً وتخصص أغلبية مقاعد مجلس النواب لصالح المسيحيين بنسبة 6: 5 كما تمثل الطوائف وفقاً لهذه التوازنات فى الوظائف العامة. ومن هذا المنطلق، أصبح مفهوم الطائفية فى لبنان لا يقتصر على البعد الدينى فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية وهو ما أدى إلى تكريس الانقسام السياسى والفوارق الاجتماعية بين أبناء الشعب الواحد. وفى ظل هذا النظام السياسى الطائفى الذى أقره دستور عام 1926 وتعديلاته وأكده الميثاق الوطنى عام 1943، احتل الموارنة قمة السلم السياسى والاجتماعى والاقتصادى فى لبنان، وهو الأمر الذى دفعهم إلى التصدى لأية محاولة من جانب القوى الصاعدة الأخرى فى المجتمع لتعديل وإصلاح هذا النظام السياسى الطائفى، لا سيما بعد أن اختل هذا التوازن تماماً لصالح المسلمين. فوفقاً لتقديرات الكتاب السنوى للمخابرات المركزية الأمريكية لعام 2018 يشكل المسلمون 7٫57% من أصل 1٫6 مليون نسمة يشكلون مجموع السكان مقابل 2٫36% للمسيحيين وحوالى 2٫5% للدروز. وربما كان التغيير الوحيد الذى ترتب على اختلال هذا التوازن الطائفى هو ما انتهت إليه وثيقة الوفاق الوطنى التى تمخضت عن اتفاق الطائف عام 1989 من تطبيق مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين فى توزيع مقاعد مجلس النواب والوظائف العامة، وهو الأمر الذى دفع بعض التيارات والكتل المسيحية مؤخراً للمطالبة بإعادة النظر فى بعض بنود اتفاق الطائف وهو ما يرفضه الشيعة والسنة على حد سواء، ما قد يدفع بلبنان إلى حافة أزمة جديدة قد لا تحمد عقباها.

وفى ظل هذا النظام السياسى القائم على المحاصصة الطائفية، أصبحت حركة التفاعل بين عناصره تتسم بشىء من الاضطراب ما يؤثر سلباً على آلية صناعة القرار، نتيجة لتغليب المصالح السياسية الطائفية الضيقة على المصالح العليا للوطن، وهذا ما عبر عنه رئيس وزراء لبنان سعد الحريرى فى خطابه المتلفز، حين وجّه أصابع الاتهام إلى السياسيين الذين سعوا من منطلق تصفية الحسابات السياسية إلى عرقلة جهوده فى مجال الإصلاح الاقتصادى.

ويرى كاتب هذا المقال أن البيئة الجغرافية للبنان كجزء من البيئة العامة التى يعمل فيها النظام السياسى ويتأثر بمطالبها وضغوطها ويؤثر فيها بقراراته وسياساته، هذه البيئة تلعب دوراً لا يمكن تجاهله فى عدم استقرار هذا النظام وربما فى انهياره بسبب طبيعته الطائفية. ولعل من أهم ما تتميز به جغرافية لبنان هو غلبة الطبيعة الجبلية على سطحها، فهى تتكون من سهل ساحلى ضيق وسلسلتين جبليتين تغطيان معظم مساحتها وتحصران فيما بينهما وادى سهل البقاع. وتقطيع السطح إلى وحدات تضاريسية منعزلة على هذا النحو فضلاً عن انتشار ظاهرة الكهوف والمغارات الجبلية الناتجة عن إذابة التكوينات الجبرية، جعل من هذه المعازل الطبيعية ملجأ وملاذاً آمناً لأبناء الأقليات الدينية والمذهبية الفارين بعقائدهم من وجه الاضطهاد الذى يتعرضون له من جانب مخالفيهم فى العقيدة من المسلمين والمسيحيين على حد سواء، لا سيما فى فترة العصر العربى الإسلامى (660 - 1258)، والذى أصبح فيه إقليم الشام ملجأ وملاذاً لهذه الأقليات فى منطقة المشرق العربى. وكما ساعدت هذه الوحدات التضاريسية على جذب الأقليات إلى لبنان، فإنها ساعدت فى الوقت نفسه على تكريس النزعة الانفصالية الانعزالية فى نفوس هذه الأقليات وتعميق هوة الخلاف فيما بينها. ولذلك لم يكن غريباً أن تتخذ كل طائفة فى لبنان نظاماً تشريعياً وتعليمياً خاصاً بها ومناطق وأحياء تقتصر فقط على أتباعها، حيث يلاحظ أن الطوائف المسلمة يتركز غالبية أفرادها فى منطقة السهل الساحلى وسهل البقاع والمنطقة الجبلية فى الجنوب، بينما تتركز غالبية أتباع الطوائف المسيحية فى المنطقة الجبلية الشمالية والوسطى، أما أحياء بيروت فهى موازيك طائفى بكل معنى الكلمة. ولم تقتصر النزعة الانفصالية على حالة الانقسام القائم بين الطوائف المختلفة بعضها وبعض، وإنما امتدت هذه الحالة إلى داخل الطوائف نفسها، كالخلاف المحتدم داخل الطائفة المارونية بين التيار الوطنى الحر برئاسة ميشيل عون وحزب القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والانقسام التاريخى داخل الطائفة الدرزية بين الحزب الاشتراكى التقدمى بزعامة وليد جنبلاط والحزب الديمقراطى اللبنانى برئاسة طلال أرسلان. وبناء على ما تقدم يمكن القول إن الظروف الجغرافية للأراضى اللبنانية كانت، وما زالت وستظل، أحد العوامل الرئيسية التى أسهمت بشكل غير مباشر فى نشأة الطائفية السياسية واستمرارها، سواء بحكم مسئوليتها عن تهيئة البيئة الصالحة لاستقبال أبناء الأقليات الدينية الفارين بعقيدتهم من وجه الاضطهاد، أو بحكم مسئوليتها عن تكريس النزعة الانفصالية فيما بينهم، بالإضافة إلى مسئوليتها الناتجة عن الامتداد الطولى المتوازى للوحدات التضاريسية الثلاث (السهل - الجبل - الوادى) الذى حرم لبنان من وسط هندسى يتحول إلى موقع بؤرى حاكم، يصلح أن يكون موضعاً لحكومة مركزية قادرة على بسط سيادتها على كامل التراب اللبنانى، ففى ظل غياب هذه الحكومة أصبح مبدأ «لا غالب ولا مغلوب» إطاراً عاماً يحكم أداء النظام السياسى ويحد من قدرته على صنع القرار.