تتطلع مصر الشعبية بقوة إلى التغيير، وتطمح إلى أن تكون القاهره من جديد فاعلة، ومؤثرة فى مستقبل العالم، ولعل الجهود الأهلية الكبيرة لبناء مدينة زويل العلمية تعبير واضح عن إرادة التغيير، والروح الإيجابية التى تتملك الناس.. وهى روح جديدة دفعت «الوطن» (المؤسسة) إلى تبنى مشروع طموح ضمن برنامج أطلق عليه رئيس التحرير «فكرة لبكرة».. وتأتى «الفكرة» ضمن إحساس وطنى بالمسئولية لدى العاملين فى «الوطن» حيث تتلقى «الصحيفة» الأفكار والابتكارات الطموحة، وترتبها، وتبحثها، وتختار مع متخصصين أحسنها لتقدمها لـ «مؤسسة الرئاسة» دعما للحلم الجديد..
هذا دور الوطن «الصحيفة»، فما هو دور «السلطة» فى الوطن؟
يقيناً لم يعد لدينا القدرة على الانتظار، ضاعت سنوات طويلة فى حالة الركود، ومصر تدخل سباق العالم بعد وقت طويل من صفارة البداية.. وعليها أن تبذل جهدا مضاعفا لتعويض ما فات، وهى مسئولية الجميع، لكن على السلطة الرسمية، والرئيس المنتخب، تغيير «المناخات السلبية» التى كانت، والتى أجهضت كل حلم، وأجلت كل أمل، وطردت آلاف العقول النيرة إلى جحيم «الغربة» أو دفعتها للانكفاء على الذات، والموات، والذبول فى الداخل.
وللحقيقة.. أنتجت منظومة التعليم القديمة -التى نلعنها الآن- آلاف العقول الفذة، مثل زويل وفاروق الباز ومجدى يعقوب ومحمد غنيم وغيرهم، وقدمت للعالم عشرات الابتكارات شديدة الروعة، اغتيل معظمها بفضل المناخ السلبى الذى ساد لسنوات طويلة.. فالعلم دون أرادة سياسية واعية لايقدر على شىء، وتحتاج الإرادة السياسية إلى روح وثابة، وعزائم جادة، ومخلصة لتبنى الأفكار الجديدة للعلم..
وضمن محاولاتنا للبحث عن الأفكار الرائدة أجد لزاما علىّ أن أعود من جديد إلى مادة «الأفروسويل» التى اختبرت فى المركز القومى لبحوث الإسكان وجاءت نتائجها مبهرة، كما اختبرت فى معامل الهيئة العامة للطرق والكبارى كبديل محلى لمادة «البيتومينين» المستخدمة فى رصف الطرق، وبينت نتائج الاختبارات أنها حققت عند قياس جهد الأحمال 26 ضعف «البيتومينين» دون الحاجة إلى تحجير الطريق أو استخدام كسر الرخام، كما وفرت 30% من تكاليف الرصف، وأكثر من 50% من الوقت اللازم، وآمنة على البيئة، والأهم أنها مصنعة من خامات محلية..
النتائج المعملية تؤكد أننا أمام ثورة جديدة تكفل لنا منتجا محليا قابلا للبيع والتوزيع الخارجى، والأهم أنه يوفر العملة الصعبة المستنزفة فى الاستيراد.. ولن تخسر مصر كثيرا إذا ما انتصر الدكتور رشاد المتينى، وزير النقل، للأفكار المحلية، وحاول إخضاعها لتجارب حقيقية.
وحسب ما قال لى مسئول كبير فى هيئة الطرق، تعانى البلاد منذ ما يقرب من عام كامل من نقص حاد فى «البيتومينين» رغم توافر الاعتمادات اللازمة، ما يعنى تعطل عشرات المشروعات، كما يهدد الطرق الموجودة أصلا بالانهيار لغياب عمليات الصيانة الواجبة والضرورية..
أملى أن يفتح الدكتور «المتينى» قلبه وعقله لما هو موجود، وأن ينتصر للأفكار المحلية الوطنية الخالصة، وأن يتخذ قرارا فوريا بإجراء التجارب اللازمة على الـ«الأفروسويل» بعد أن أثبتت كل التجارب المعملية نجاحها الباهر..
وظنى، إذا صدقت النتائج المعملية، أننا أمام «ثروة» تتجاوز الخيال، وفتح وطنى خالص، ومحلى النكهة يمكن أن نقول عنه وبفخر «صنع فى مصر».. وهو منتج قابل وبقوة، إذا حققت التجارب نجاحات قريبة من النتائج المعملية، أن يجعل من مصر المقاول الأول لبناء الطرق فى الشرق الأوسط.. وهو دور كدّت مصر وتعبت فيه، وما زالت «أياديها البيضاء» التى مدت من خلال «المقاولون العرب» إلى الأشقاء العرب والأفارقة موجودة.
بقى أنه ليس بالعلم وحده توضع مصر على الخريطة؟ فالأمر يحتاج إلى إرادة سياسية واعية، وروح مبادرة طموحة، وإقبال واع على الجديد.. الأمر يحتاج إلى «روح الثورة» الوثابة.
مصر بالعلم على الخريطة.. شريطة أن يتحول هذا العلم إلى مشروعات حقيقية على أرض الواقع، وأن تستجيب الإرادات الشعبية والرسمية للابتكارات والإبداع الجديد..