أسواق الماشية الوقيع: لحوم مصابة بـالدرن.. وتجار يزوّرون الأختام

كتب: سهاد الخضرى

أسواق الماشية الوقيع: لحوم مصابة بـالدرن.. وتجار يزوّرون الأختام

أسواق الماشية الوقيع: لحوم مصابة بـالدرن.. وتجار يزوّرون الأختام

مع انتشار الكثير من الأمراض البيطرية، كالحمى القلاعية والجلد العقدى وحمى الوادى المتصدع والدرن، أصبحت للحوم الماشية النافقة أو المريضة سوق رائجة فى كل المحافظات، خاصة مع إقبال عدد كبير من المطاعم عليها، بحثاً عن لحوم «برخص التراب» لتحقيق هامش ربح أكبر، بتحويلها إلى وجبات فاخرة بأسعار مرتفعة، دون الالتفات إلى صحة المواطنين.

على مدار الأشهر القليلة الماضية، كان خبر ضبط كميات كبيرة من اللحوم غير الصالحة للاستهلاك الآدمى، خلال حملات لمديريات ومباحث التموين فى المحافظات، أحد الأخبار الأكثر تكراراً فى وسائل الإعلام المختلفة، فالضبطيات اليومية لحملات «التموين» تصل إلى عشرات الأطنان، معظمها إما لحوم منتهية الصلاحية أو «وقيع»، حسبما يطلق عليها المصريون.

الرأس المريضة تباع بـ3 آلاف جنيه

سامى السيد، أحد مربى الماشية، يقول لـ«الوطن»، إن عدداً من المربين يلجأون لبيع الماشية المريضة للتجار بأسعار تتراوح بين 3 و6 آلاف للرأس الواحدة، رغم أن سعر رأس الماشية السليمة تتراوح بين 40 و50 ألف جنيه، موضحاً: «يلجأ المربون لبيع الماشية المريضة، بحثاً عن تقليل خسائرهم، خاصة مع إنفاق كثير منهم مبالغ كبيرة على شراء أدوية لها».

وأضاف: «بثمن الماشية المريضة يشترى المربون ماشية صغيرة السن، لتبدأ عملية تسمينها ثم إعادة بيعها مجدداً»، مشيراً إلى أن مديريات الطب البيطرى تتحمّل جزءاً كبيراً من المسئولية عن ظهور سوق الماشية المريضة «الوقيع»، نظراً لتقاعسها عن إجراء الكشف الطبى على الماشية، وصرف التطعيمات للمربين، ضمن خطة تستهدف حماية الثروة الحيوانية.

مكسب التاجر يصل إلى 10 آلاف

تجار الماشية المريضة، هم الحلقة الوسطى بين المربين والجزارين، حسبما يقول السيد، فالتاجر يكسب فى الرأس الواحدة قرابة 10 آلاف جنيه، مما يجعله المستفيد الأكبر فى سوق اللحوم الوقيع، موضحاً «رأيت بعينى تاجراً يختم اللحوم الوقيع بختم يُفترض ألا يكون موجوداً إلا فى المجازر، وبعدها بيعت هذه اللحوم إلى الجزارين، بعد تقطيع البقرة إلى 4 أجزاء، وبالتأكيد يعلم الجزارون طبيعة هذه اللحوم، وفى العادة تُباع مفرومة للمطاعم، مع تزوير أختام المجازر عليها».

مربى ماشية: طن العلف بـ5500 جنيه

وفقاً لـ«السيد»: «لا يمكن للمواطن التعرّف على اللحوم النافقة أو غير الصالحة، فلا يمكن أن يعرفها إلا الطبيب البيطرى أو المربى أو التاجر أو الجزار»، مضيفاً: «نحن جميعاً عرضة للتلاعب فى سوق الماشية، فالتاجر يشترى من المربى كيلو اللبن البقرى بـ4.25 جنيه، وكيلو الجاموسى بـ6 جنيهات، ثم يبيع الكيلو بعد خلطه بـ10 جنيهات». وأشار إلى عدم قدرة المربين على تحمل تكلفة الأعلاف المرتفعة، خاصة مع وصول سعر الطن إلى 5500 جنيه، مؤكداً أن «ثمن البقرة لم يعد يغطى تكاليف تربيتها».

تحذيرات من تناول لحوم "الوقيع" قبل انتهاء مفعول علاجها بالمضادات الحيوية

أما مجدى محمد، أحد مربى الماشية، فيحمّل مسئولية اتساع سوق «اللحم الوقيع» للطب البيطرى، نظراً لغيابه عن أداء دوره، «فلا رقابة ولا توعية»، على حد قوله، وفى حال توجّه المربى إلى الوحدة البيطرية، للبحث عن أدوية أو تطعيمات للماشية المريضة لديه، لا يجدها، أو يجد أدوية مرتفعة الثمن ودون فاعلية حقيقية، موضحاً «عندما تصاب البقرة بحمى، فإنها تنفق غالباً قبل أن نتمكن من علاجها، وقبل أن نعرف طبيعة المرض».

وأضاف: «طبيب الوحدة البيطرية لا يؤدى دوره فى الإشراف على صحة الماشية، لهذا فإنها تنفق خلال 4 أيام على الأكثر، بعد أن تصاب بالحمى، حيث تتوقف عن إدرار اللبن، كما تُصاب بانتفاخ وتتفاقم حالتها سريعاً، فلا يجد المربى حلاً أمامه سوى بيعها لتجار الوقيع»، موضحاً أن «المربين يفضّلون بيع الماشية المريضة بدلاً من انتظار نفوقها، وتجد لحومها فى وقت لاحق طريقاً لها إلى أشهر المطاعم، التى تعتبر لحوم الماشية النافقة والمريضة أفضل من لحوم الحمير، خاصة فى ظل ضعف الرقابة على أصحاب المطاعم».

وأشار إلى أن «التجار لا يختمون اللحوم الوقيع، كما أن بعض الجزارين يشترونها، رغم علمهم بحالتها، فلا يعرضونها فى المحال، خوفاً من الحملات التموينية»، مطالباً بتشديد الرقابة على المجازر والمطاعم، لأن «اللحوم الوقيع تباع فى جميع المحافظات، خاصة مع زيادة الطلب عليها من جانب المطاعم التى تحولها إلى ساندويتشات شاورما أو حواوشى بأسعار رخيصة».

من جهته، قال تاجر ماشية يعمل فى مجال «الوقيع»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، «دخلت هذا المجال منذ ما يزيد على 30 سنة»، موضحاً «فى العادة أتلقى اتصالاً هاتفياً من أحد المربين، يطلب منى التوجه إليه لمعاينة جاموسة أو بقرة مريضة، لذبحها قبل أن تنفق، فأتوجه إليه سريعاً، ثم أذبحها على صندوق السيارة أو داخل المزرعة».

وأشار التاجر إلى أن «هذه الماشية تكون مصابة بالحمى غالباً، لكن ليست الحمى القلاعية، لأنها لو مصابة به لا يجوز ذبحها، إنما تدفن فور نفوقها، والأمر نفسه إذا كانت مصابة بحمى أو مرض فى الطحال»، موضحاً «أشترى الرأس الواحدة بمبلغ يتراوح بين ألفين و3 آلاف، وأحياناً يتواصل المربى مع تاجر آخر، حيث يبيعها لأحد أصحاب المطاعم بسعر زهيد، فتوضع عليها التوابل لتغيير معالمها تماماً، ولا يمكن لأى شخص اكتشافها، أما الماشية النافقة فتُقدم كوجبة لسمك القراميط».

«ن. ز»، طبيب بيطرى طلب عدم الكشف عن شخصيته، قال إن «بعض المربين يضطرون لذبح الماشية الوقيع فى المجازر، وتحت إشراف الأطباء المختصين، وإذا كانت صالحة للاستهلاك الآدمى يصرّح بطرحها فى الأسواق، أما لو كانت غير صالحة فتُعدم بالطرق الصحية المتعارَف عليها»، مضيفاً «عندما نكتشف وجود لحوم غير صالحة للاستهلاك خلال الحملات على الأسواق، تُعدم فوراً، ونحرّر محاضر ضد البائعين».

وأوضح أن «الماشية المريضة تنقل أحياناً الأمراض للإنسان، فهناك أمراض مشتركة بين الإنسان والحيوان، مثل الدرن والبروسيلا، والأول لا يتأثر بدرجة حرارة الطهى، أما الثانى فيتأثر بالحرارة، لهذا نحرص على إعدام الماشية المريضة بالدرن كلياً، بينما يحدث إعدام جزئى للأعضاء المصابة فى بعض الأحيان، والأمر نفسه عند الإصابة بالبروسيلا».

أما «أ. ا»، مربى ماشية، فيقول إن «الماشية الوقيع تُذبح فى الزرائب، وأحياناً فى المذابح، وهناك جزارون وتجار متخصصون فى هذا النوع من اللحوم، ولو كانت هناك رقابة صارمة من الأجهزة المعنية لما وجدت هذه اللحوم طريقها إلى الأسواق»، مضيفاً: «فى أحيان كثيرة يزوّر التاجر أو الجزار الأختام دون علم الطبيب البيطرى، حيث تكون رأس الماشية ذُبحت وخُتمت قبل أن يراها الطبيب، أما الماشية النافقة فنادراً ما تُذبح».

وحيد إسماعيل، مهندس إنتاج حيوانى، يشير إلى وجود نحو 20 مرضاً مشتركاً بين الإنسان والحيوان، أبرزها الدرن، والديدان الشريطية، والتليف الكبدى، وحمى الوادى المتصدع، والجمرة الخبيثة، مشيراً إلى أن «الوادى المتصدع والجمرة قد يؤديان للوفاة حال انتقالهما من الماشية للإنسان، بينما تعتبر الحمى القلاعية أقل تأثيراً».

ويكشف «إسماعيل» عن كارثة تلقى الماشية الوقيع علاجاً بالمضادات الحيوية قبل ذبحها، موضحاً «المفترض أن يتم الذبح بعد مرور 21 يوماً على الأقل من تلقى العلاج، لضمان عدم انتقاله للإنسان، فعلى سبيل المثال لو كان العقار بنسلين، فإن التأثير سيكون سلبياً على المستهلك، فعند مرضه يكوّن الجسم مناعة ضد الميكروب، دون أن تُجدى المناعة فائدة، وربما تنتقل للإنسان أمراض مثل الدرن أو التليف الكبدى أو الجمرة الخبيثة، بخلاف ذبح الماشية الوقيع فى مكان غير صحى».


مواضيع متعلقة