أسئلة مشروعة عن الصحافة ومهنة الرأى
أعرف أننى سأخوض فى بحر من الرمال الناعمة، وربما أطأ بقدمى داخل حقل ألغام، أو أواجه موجة من الابتزازات والاتهامات، التى أصبحت عادة فى بلدنا، لمجرد أننى سأكتب عن ملف الصحافة، وما يعتريه من مظاهر غريبة فى السنوات الأخيرة.
أسئلة عدة تفرض نفسها بين الحين والآخر، هل الصحافة مهنة متميزة عن غيرها من المهن؟ وهل مهنة الصحافة تتطلب امتيازات لا تحصل عليها بقية المهن؟ وهل الصحافة مهنة رأى لا يجوز محاسبة من يمتهنها، أم أنها كما كل المهن الإنسانية، لها قواعدها الحاكمة، وضوابطها المنظمة؟ وإطارها القانونى؟
الحقيقة أنها وللأسف أسئلة مضحكة، لأنها كلمة حق يُراد بها باطل، يفرضها البعض على المجتمع وعلى المهنة والعاملين فيها، لتبرير مخالفات، أو انتهاكات لقواعد العمل وطبيعته، أو لتبرير تصرفات لا تمت إلى المهنة وممارستها بصلة، قدر ما ترتبط بمحاولة فرض منطق غريب على بلاط صاحبة الجلالة، أو الذى كان كذلك قبل ذلك.
ومنذ رغب الرئيس الراحل أنور السادات مغازلة الصحافة والصحفيين، وأطلق عليها السلطة الرابعة، والبعض تصور أن الصحافة صارت سلطة كما السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، وأنها تملك صلاحيات وسلطة قرار لا تملكها مهنة أخرى، وأنها ولكونها سلطة رابعة، فقد صارت مهنة مختلفة متميزة عن غيرها.
الشاهد أن الصحافة كما أى مهنة، لها قواعد، لا يجوز الخروج عنها، ولها مهام يجب أن يقوم بها الصحفيون، ومن دون تنفيذ هذه المهام والأعمال، فلا صحافة ولا صحفيين، ولا مهنة، وأيضا لا مهنيين.
الصحافة مهنة رأى، قول شائع بين البعض، لا يردده إلا من امتهن الصحافة ولم يعمل بها، وهُم كثر، ومنتشرون فى التجمعات المختلفة، تجد أغلبهم داخل مبنى النقابة أغلب أوقات النهار، أو على سلالم النقابة فى الاشتباكات السياسية، وهم لا يعرفون من المهنة إلا أنها سلطة ورأى.
ولأن للصحافة مهام عدة من أهمها نقل المعلومات إلى الناس، والترفيه والتسلية، فإن ظنى أن الخلط هنا متعمّد بين حرية الصحافة واعتبار الصحافة مهنة رأى، لأن الصحافة الحرة جزء من المجتمعات الديمقراطية، وهى معنية بأن تقدم للمجتمع الآراء المختلفة، باعتبار أن جزءاً من مهامها عرض الآراء المتنوعة فى المجتمع، لا أن تكون ستاراً يحتمى به البعض، ويمنح نفسه امتيازاً، باعتباره يعمل بمهنة رأى، فيُشهر سيفه وينطلق مطيحاً برؤوس الناس تحت مزاعم «مهنة الرأى».
الصحفى الذى يمارس المهنة ترتبط مهمته الأساسية بعرض الآراء وليس رأيه هو، وإذا لم يفرّق بين نقل المعلومات بأمانة ورأيه الشخصى فيها، فإنه يرتكب جريمة لا تُغتفر، وإذا كان يعتبر أن ممارسته المهنة تعطيه الحق فى إبداء الرأى، فهو ليس أكثر من مراهق، يرتكب جرائم فى حق الغير.
الصحافة مهنة رأى، والرأى جزء من العمل الصحفى، يمارسه الصحفيون وغير الصحفيين، وجانب الرأى فى الصحافة لا يعنى أنها مهنة الرأى، وإنما هى وسيلة للتعبير عن الرأى، والفارق كبير بين الوسيلة ومن يعمل بها، ولا يجوز أبداً الخلط بين الوظيفة والمهمة وبين من يمتهنها.
الحاصل أن توصيف الصحافة بأنها مهنة رأى، ليس أكثر من محاولة للتستر على انتهاكات عدة للقانون، ومن تحت هذه المعانى، تتحرك جماعات وأفراد، تخلط الأوراق، وتسعى لدرء الاتهامات عن نفسها، وتستخدم المهنة للاحتماء بها.
الواقع يقول إن الصحافة وسيلة للتعبير عن الرأى وليست مهنة الرأى، ولا يجب الخلط بين تعبير صحفى عن رأيه وفقاً للقواعد والأعراف المستقرة، وبين مسئولية الصحافة عن عرض الرأى المجتمعى، وللصحفى مهام محدّدة ودور تنظمه قواعد المهنة، يجب ألا يحيد عنها، ولا يخلط بين مهام وظائفه ومهام الوسيلة.
فى الآونة الأخيرة، برزت ظاهرة «صحافة المواطن» وتمكنت الفكرة من الانتشار، وبدلاً من أن تضيف إلى أدواتنا الإعلامية جديداً يتيح ثقافة للتفاعل والحوار على أساس من الجدية والمسئولية، والالتزام بدقة المعلومات، تحولت «صحافة المواطن» إلى وسيلة من وسائل تعميق الأزمات فى المجتمع، عبر استخدامها لأغراض سياسية، أهدرت قيمتها وأفسدت أدواراً كانت منتظرة، فخلطت بين ما هو جائز وشرعى وما هو باطل ومُخالف.
إذا كان البعض يمتهن كتابة الرأى، فهذا ليس لأنه يعمل بمهنة الرأى -كما يصفها البعض- وإنما لأنه يكتب فى وسيلة جزء من مهامها نقل الرأى، وهذا هو الفارق الجوهرى، فالصحافة مهنة لها مهامها ووظائفها يجب أن تقوم بها تجاه المجتمع، ومن بينها إتاحة الفرصة للتعبير عن كل الآراء بالمجتمع، فمهمة الصحفى نقل الآراء المختلفة للمجتمع، لا نقل رأيه هو.
الصحافة وسيلة للتعبير عن الرأى.. وليست مهنة الرأى.