تحولات أردوغان

على مدى أكثر من عقد تم النظر إلى الرئيس التركى أردوغان باعتباره أنموذجاً للقائد البراجماتى؛ ورغم ظلال سلبية قد تتركها تلك الكلمة فى أذهان البعض، فإن البراجماتية يمكن أن تكون صفة جيدة فى الزعماء السياسيين، ويمكن أن تيسر لهم اتخاذ قرارات تخدم المصلحة الوطنية، لكن حتى هذه الصفة، التى تثير الجدل أحياناً، لم تعد تصلح لهذا الزعيم، بعدما تجاوز طاقتها وشروطها بمراحل واسعة.

يشرح الأكاديمى التركى «ألتر نوران»، الأستاذ بجامعة بيلجى، بإسطنبول، التغيرات التى طرأت على شخصية أردوغان على مدى سنوات حكمه فى كلمات قليلة لكنها موحية؛ إذ يقول: «لقد تحول من البراجماتية إلى الأيديولوجيا، ومن العمل الجماعى إلى القرارات الشخصية، ومن الديمقراطية إلى الاستبداد».

لقد فقد أردوغان براجماتيته، التى كان إسرافه فيها يؤخذ عليه فى كثير من الأحيان، لأنه عبر سياساته الجديدة يحول محيطه الإقليمى والدولى من محيط موات ومشارك ومتفاهم (صفر مشاكل وفق رؤية وزير خارجيته الأسبق أحمد داود أوغلو) إلى ساحة نزال لا تهدأ، ممتلئة بالخصوم المدفوعين دفعاً إلى المنازلة.

يستند «السلطان أردوغان»، كما يحلو لنقاده تسميته، إلى قاعدة جماهيرية صلبة، خصوصاً فى أعماق البلاد، كما تتعزز حظوظه التنافسية دائماً بإنجازات اقتصادية وخدمية وتنموية مبهرة تحققت فى سنوات حكمه، التى امتدت من 2003 إلى 2014 كرئيس للوزراء.

فى تلك السنوات استطاع هذا الرجل أن ينقل تركيا من وضع بائس ومتدهور إلى مكانة جيدة، عبر خطط تنمية وتحفيز اقتصادى ناجحة وفعالة.

وعندما كان بصدد إنهاء ولايته الثالثة والأخيرة كرئيس للوزراء، كانت بلاده واحدة من الدول العشرين الأقوى اقتصاداً فى العالم، متمتعة بنمو اقتصادى مطرد ومستقر، وبقدرات سياسية وعسكرية مزدهرة.

لم يتقبل أردوغان حينئذ فكرة أن يترك موقعه، ويسلم «الراية الخفاقة»، لأحد زملائه فى الحزب الحاكم، ويترك التاريخ يتحدث عن منجزه، ولا حتى قنع بالحصول على منصب رئيس الجمهورية الشرفى، والعمل لفترة أو فترتين رئاسيتين على رأس الدولة ورمزاً لها، دون أن تكون له أدوار تنفيذية؛ إذ يبدو أن هوس السلطة قد سلبه ميزة التفكير المستقيم والمنطقى.

لقد خاض الانتخابات الرئاسية فى 2014 بالفعل، ولم يجد أى منافس يمكن أن يهدد حظوظه، وبات رئيساً للبلاد، لكنه لم يكتف بالصلاحيات الشرفية التى يمنحها له منصبه الرئاسى، وفق الدستور، ولم يلعب الأدوار نفسها التى لعبها بإتقان واستقامة سلفه عبدالله جول، وراح يتغول على الصلاحيات التنفيذية التى يحق فقط لرئيس الوزراء أن يتمتع بها.

أتى أردوغان بـ«أحمد داود أوغلو»، الذى كان وزيراً للخارجية فى حكوماته السابقة، وعيّنه رئيساً للوزراء، لكن هذا الأخير ما لبث أن أدرك أنه تحول إلى مجرد صورة، وأن صلاحياته الواسعة كحاكم فعلى للبلاد تتقلص، ليصبح بمنزلة «سكرتير السلطان».

استقال أوغلو، وذهب إلى المعارضة، وراح يؤسس حزباً، لأنه أدرك أن أردوغان تحول من العمل الجماعى إلى العمل الفردى، ولم يعد يهتم سوى بتكريس عظمته وصيانة سلطانه.

فى غضون ذلك، راحت إشارات العظمة السلطانية تتزايد، ليس فقط فى لغة الخطاب، ولا الحرص على مظاهر «الأبهة السلطانية»، ولكن أيضاً فى قرارات وسياسات اعتبرها النقاد بمنزلة إعادة إنتاج لأوضاع «تركيا العثمانية».

لقد حال بقاء أردوغان الطويل فى السلطة، وملامح شخصيته الفخورة، وهوسه الظاهر بالعرش، دون صيانة مُنجزه السياسى على النحو الأمثل، وربما لن تُمكّنه تلك العوامل أيضاً من الحصول على ختام كريم لحياته كزعيم ورجل دولة.

بعد بداية متسقة مع الاستحقاقات الديمقراطية، راح أردوغان يقترب من الحالة الديكتاتورية الكاملة يوماً بعد يوم؛ وهو الآن يملأ بلاده بالمعتقلين والمطرودين من الخدمة وضحايا سياساته القمعية، بحيث لم يتوقف لحظة، منذ الانقلاب العسكرى الفاشل ضد حكمه، عن تصفية أى منبر أو حالة أو إمكانية يمكن أن تعارض سياساته، مستخدماً القوة الباطشة.

كيف يمكن أن يبقى أردوغان فى صورة البراجماتى إذا كان قد اصطدم بالولايات المتحدة، وأغضب روسيا، وحارب سوريا، وعادى مصر، ودمر سمعته لدى أهم دول الخليج، ووتر علاقات بلاده مع الاتحاد الأوروبى، وسلب حقوق جيرانه فى البحر المتوسط.

يريد أردوغان أن يرسل قوات وسلاحاً إلى ليبيا ليقاتل جيشها الوطنى، متحدياً الحظر الدولى المفروض على إرسال السلاح أو المقاتلين إلى هذا البلد، حتى إن مساعديه ووزراءه راحوا يخففون من وطأة حديثه ويصححون له المسار، بدلاً من الوقوع تحت طائلة المساءلة الدولية.

هل كان أردوغان براجماتياً حينما حوّل بلاده إلى معبر حر وسلس لآلاف المقاتلين من الإرهابيين الذين قدموا من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا والشرق الأوسط، ليمروا عبر حدوده المشتركة مع سوريا، ويحولوا هذا البلد العربى العريق إلى ساحة للحرب الأهلية والفتنة والخراب؟

يصعب جداً اعتبار مثل هذا العمل عملاً براجماتياً؛ إذ تسبب هذا الأمر فى خلخلة دولة ذات تاريخ وعراقة وحضارة، وتسميم أجواء المنطقة، وجلب التدخلات الخارجية، وزراعة بؤرة تطرف يصعب جداً أن يتم احتواؤها كما يصعب جداً ضمان عدم تأثر بلاده بها.

لقد وقع أردوغان اتفاقاً مع حكومة الوفاق الليبية، التى تساندها ميليشيات إخوانية وبعض الجماعات المشتبه فى كونها إرهابية، يتضمن «التعاون العسكرى» بين الطرفين من جانب، و«ترسيم الحدود البحرية» من جانب آخر. إن حكومة الوفاق وحدها لا تمثل ليبيا، ولا يمكنها أن تنوب عن الليبيين فى تحديد مصائر ثرواتهم الوطنية، وفى استدعاء قوات أجنبية لزيادة أوجاع تضعضع السيادة، وفقدان السيطرة على التراب الوطنى، ودعم الإرهاب بالسلاح والرجال.

لا يمكن أن يوصف هذا العمل بأنه براجماتى، ولا يمكن أن يجلب مصلحة للشعب التركى، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا التصرف عن إدارة سياسية تريد أن تحظى باحترام العالم وتفهمه، وأن تدير مواقفها الإقليمية بدرجة من الرشد والمنطق.

سياسات أردوغان الداخلية تأخذه إلى الديكتاتورية والصدام مع شعبه، وإدارته لشئون بلاده الإقليمية والدولية لا تعكس براجماتية بقدر ما تعكس انفلاتاً وعدوانية، ومركزه فى التاريخ يتحول من زعيم ناجح إلى تجربة مريرة ستدفع ثمنها تركيا ودول أخرى فى المنطقة.