نحن نصنع الديكتاتور

على السيد

على السيد

كاتب صحفي

أيهما يعجب الناس الحرية المطلقة، أم الدولة الصارمة؟ هل تولد الديكتاتورية من رحم الفوضى الناتجة من حرية منفلتة؟ هل تحتاج الحرية لمن يكبح جماح فوضويتها فى لحظة ما؟ هل الحرية الزائدة تولد الفوضى العارمة؟ أى نظام يمكن أن يأتى فى ظل الفوضى؟ متى يمكن للناس أن يقولوا «لا» للظلم والعدوان والتآمر والخنوع والخيانة، من دون أن ينزلقوا إلى الأنانية والعبث بوطنهم؟ فحين تنتشر الفتن، وتكثر الجرائم البشعة، ويعم الخوف، ويغيب التآخى، ويضعف الولاء للوطن، مقابل الولاء للقبيلة أو الطائفة أو فئة العمل، ويرتعش الأمن، ويتفشى السطو والنهب والقتل، تترنح الدولة وتصبح على مشارف التهلكة، ومن ثم يكون أمامها خيارات مرة وقاسية أحدها أن تقبل بالاستبداد مرة أخرى. فـ«النظام الحاكم» يسقط فى لحظة، وتسقط «الدولة» فى سنوات.. يسقط النظام بأيدى الشعب غالباً، وتسقط الدولة بأيدى الحكام والشعب والأعداء دائماً. سقوط النظام يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء الدولة، وتشييد مجتمع عصرى متطور وناهض بعد نفض غبار الاستبداد. بينما يؤدى سقوط الدولة إلى انتشار الفوضى، وموت القانون، وتسيد الفتن والشائعات، ورواج الدجل، وتفوق الكلام على العمل، ويصبح الكذب شطارة والبلطجة شجاعة، والتطرف إيماناً، والعلم إلحاداً، والهدم وطنية، ويتخلى الناس عن الإيمان بالوطن الواحد والعيش المشترك. سقوط دولة يمكن أن يكون نهاية لشعب بأكمله أو مقدمة لدخوله فى صراعات لا تنتهى إلا بتقسيمه. الحكم المستبد الذى هو ضرورة الانفلات فى أوقات كثيرة، والفوضى التى هى نتيجة الانفلات، يؤديان إلى: 1- تفكك مؤسسات الدولة، وتحويلها إلى مؤسسات متصارعة مع غيرها للحفاظ على وجودها «الذاتى»، وتحقيق مكاسب «خاصة»، مثل صراع «القضاة والمحامين»، وأحياناً القضاة والقضاة «قضاة مجلس الدولة والقضاة فى المحاكم العادية»، و«أمناء الشرطة وضباط الشرطة»، و«أساتذة الجامعات مع وزارة التعليم العالى».. وغيرها من صراعات يؤدى احتدامها إلى نهاية الدولة، مثل الاعتصامات والإضرابات لتحقيق مكاسب ومزايا لا تقدر عليها موازنة الدولة. 2- تقسيم الوطن على أسس عقائدية وطائفية وقبلية، عن طريق حل مشكلات كل فئة بمعزل عن مشكلات المجتمع، ودون منع للفتن من منبعها. 3- تناحر النخبة السياسية والثقافية، للفوز بنصيب من الدولة المريضة. 4- تفشى صراع الطبقات الاجتماعية، الذى يبدأ بالأفراد وينتهى بالجماعات فى ظل ارتخاء قبضة القانون. 5- كثرة المطالب الفئوية فى ظل ظروف لا يمكن فيها تحقيق رغبات الجميع. فهل سيكون نصيبنا استمرار الفوضى، أم سيكون الرئيس القادم قادراً على أن يخلصنا من كل ذلك، وأن يجد صيغة يطبق بها القانون من دون استثناء لزعيم أو خفير؟