البحيرة نجع عون: قصة عبور من الفقر المدقع إلى الاكتفاء.. والزراعة أورجانيك

كتب: أحمد حفنى

البحيرة نجع عون: قصة عبور من الفقر المدقع إلى الاكتفاء.. والزراعة أورجانيك

البحيرة نجع عون: قصة عبور من الفقر المدقع إلى الاكتفاء.. والزراعة أورجانيك

تتحدى قرية «نجع عون»، الواقعة على أطراف محافظة البحيرة، الواقع، بعد تحويل مجهود وطاقة أبنائها إلى قدرات إنتاجية على مدار ٥ سنوات، من العمل الشاق استطاعت خلالها إعلان اكتفائها ذاتياً، وتوزيع ما يفيض من إنتاجها على القرى المجاورة، حتى وصل دعمها إلى مبنى الوحدة المحلية بكفر الدوار، بعد أن نفذ أبناؤها مشروع الزراعة النظيفة على سطح المبنى، وأصبح يُدر محصولاً وفيراً لصالح الوحدة.

«نجع عون»، قرية صغيرة تابعة لمنطقة أبيس بمركز كفر الدوار، وتقع على الحدود بين محافظتى البحيرة والإسكندرية، وكان موقعها الجغرافى نقمة على سكانها، بعد الحيرة الإدارية التى عاشوها، حيث تتبع نصف الخدمات الخاصة بالقرية محافظة البحيرة، والنصف الآخر محافظة الإسكندرية، ما حرمهم من بناء مخبز مدعم ومحطة بنزين وسوق للخضار والفاكهة ووحدة صحية، فى الوقت الذى انصرف عنهم نواب البرلمان، نظراً لقلة أصواتهم الانتخابية بسبب محل إقامتهم المُثبت بالبطاقة.

ظروف معيشية قاسية مر بها سكان «نجع عون»، الذين يتجاوز عددهم ٧ آلاف نسمة، بعد حرمان استمر سنوات طويلة من الخدمات التى كان أبسطها مخبزاً يوفر لهم الخبز المُدعم، وكانت غالبية المنازل دون أسقف، لتزداد المعاناة فى فصل الشتاء، حيث يضطر الأهالى إلى رفع الأَسِّرة على حجارة لينام الأطفال تحتها، كى لا تتساقط عليهم الأمطار أثناء النوم، وعاندتهم الظروف بعد أن تسببت أمطار الشتاء فى غرق الأراضى الزراعية وتلف المحاصيل، وهو ما زاد من نسبة الفقر داخل القرية قبل 5 سنوات، وأمام هذا الحصار غير المُتعمد، عمل الأهالى بالحكمة التى تقول «بدلاً من أن تَلعن الظلام.. أشعل شمعة»، فدأبوا خلال السنوات الماضية على العمل والإنتاج، وحولوا الفشل والحرمان إلى نجاح وعطاء، حتى إنهم أعلنوا رسمياً تحقيق الاكتفاء الذاتى دون الحاجة لأى تدخل من أجهزة الدولة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قاموا بالتبرع بفكرة أحد مشروعاتهم لمبنى الوحدة المحلية بكفر الدوار.

"رجب": رفضنا المساعدات وطلبنا توفير حياة آدمية.. وتعلمنا زراعة أسطح المنازل وصناعة السجاد اليدوى وإنتاج عيش الغراب

وأكد رجب ربيع، أحد القائمين على المشروعات التنموية بالقرية، أن القرية كانت مُعدَمة ولا تتوافر فيها أى مقومات للحياة الآدمية، وكان أعلى مستوى للرفاهية من يملكون بيتاً نظيفاً، وتابع: «زارتنا منذ سنوات جمعية أهلية، وكالمعتاد سألونا عما نحتاجه فى القرية، وعرضوا علينا توفير مساعدات غذائية أو توزيع مبالغ مالية على الأهالى، ولكننا رفضنا لأن مثل هذه المساعدات سُرعان ما تنتهى ويظل الحال على ما هو عليه، وطلبنا بدلاً من ذلك أن نبدأ فى توفير حياة آدمية لأهالى القرية ثم نبدأ فى تنميتها وذلك كان فى فبراير ٢٠١٤».

الأهالى: مستعدون لتعميم الفكرة فى كل قرى المحافظة.. ونحتاج من الدولة مدرسة ووحدة صحية

وأضاف: «عَقدت اجتماعاً موسعاً مع شباب القرية وكبارها، واتفقنا على مبدأ محدد وهو تلقى العلم بدلاً من المساعدات المادية، وقصدنا بالعلم هنا تعلم الحرف اليدوية، وأساليب الزراعة الحديثة قليلة التكلفة، وحصلنا على دورات تدريبية بالتعاون مع جمعيات أهلية، تلقينا خلالها دروساً حول كيفية زراعة أسطح المنازل باستخدام المواسير البلاستيك، وصناعة السجاد اليدوى والتابلوهات، وتعلم إنتاج عيش الغراب «الماشروم»، وقال إن المرحلة الثانية للنهوض بالقرية وتنمية مواردها، تمثلت فى استغلال الموارد البشرية وتحويل أهلها إلى أُسر منتجة، وعلى مدار ٣ أعوام من التدريب والتعليم بلغت نسبة الأُسَر المنتجة ٤٥%، وتخطينا ٦٠% بعد مرور ٥ سنوات، نتيجة توفير المساعدات والدعم، وكانت بعض الأُسَر تحتاج للتوعية فقط ولديها المكان والإمكانيات، مشيراً إلى أن إيمان الأهالى بتنمية موارد القرية، وعدم الالتفات إلى المساعدات الخارجية، خلق نجاحاً مزهراً بعد أن فرض الأمر الواقع نفسه بخصوص انعدام الخدمات، وتابع: «زاد نشاطنا فى المرحلة الثالثة من مشروع التنمية، بعد أن تنوعت المشروعات فى المنازل بين تربية الدجاج والبط، والزراعة العضوية أمام المنازل وزراعة الأسطح بالطريقة الحديثة التى توفر الماء، وأصبح هناك وفرة فى الإنتاج، حتى إن السطح الواحد ينتج ما ينتجه نصف فدان من الأرض، وحققت هذه المزروعات الاكتفاء الذاتى للقرية، بحيث لا يحتاج أهلها الخروج للسوق لشراء أى خضراوات أو فواكه، وكان الأمر فى البداية صعباً على الأهالى، لكنهم حققوا النجاح».

وقال رضا حمورى، أحد الداعمين لمشروعات «نجع عون»: «دعمنا المشروعات التى تقيمها الأُسَر فى المنازل، ولم ندخر جهداً فى توفير الدعم الفنى لهم، بعد أن اكتشفنا الإنجاز الذى وصلوا إليه، ووصلت القرية إلى ما لم تصل إليه أى قرية أخرى على مستوى الجمهورية، من حيث توفير احتياجاتها بالجهود الذاتية، وإنشاء مشروعات نهضت بالقرية، أهمها المركز الخدمى الذى يضم عدداً من المشروعات المتنوعة، توفر مصدر دخل لتمويل مشروعات الأُسَر المنتجة، وتوفير الدخل لدعم الأُسَر الفقيرة، ويضم المركز عدداً من ورش الخياطة إلى جانب تفريخ الدواجن وزراعة الأسطح وورشة سجاد يدوى وأخرى لإنتاج الحرير الطبيعى، وورشة للكروشيه والاكسسوارات وفرناً خدمياً». وروت سماح شاهين، ١٨ عاماً، مشوارها فى تعلم صناعة السجاد قائلة: «عقب الإعلان عن المشروع التنموى بالقرية، لم نكن نهتم بالأمر، وكان سبب مشاركتى وتعلمى هو الدخل الذى وفره المصنع للعاملات به، وكانت سعادتى أكثر من الحصول على الأموال، بعد أن شاركت فى معرض بيع منتجاتنا بالإسكندرية، وشاهدت بعينى نظرة المعجبين بصنع قريتنا».

وقال صابر محمد، ١٧ عاماً: «عملى بالقرية هو الاعتناء بمشروع زراعة الأسطح، وبدأنا المشروع بزراعة محاصيل محدودة مثل الطماطم، الباذنجان، البامية، الخيار، وانتهى الأمر إلى زراعة جميع المحاصيل الزراعية والفاكهة، ما عدا الفاكهة التى تزرع على الأشجار، ومحاصيلنا خالية من المبيدات والمخصبات الكيماوية، لأن الزراعة لدينا باستخدام السماد الطبيعى فقط، وهو ما يضمن منتج أورجانيك». ويطالب الأهالى الدولة بإنشاء وحدة صحية ومدرسة ابتدائى، علماً بأن لديهم الأرض والأموال اللازمة لهذه الخدمات، مؤكدين استعدادهم لزيارة القرى الأخرى وتعميم تجربتهم وتبادل الخبرات مع جيرانهم.


مواضيع متعلقة