صيادو البحيرة: اعتزلنا المهنة بسبب الأزمات
صيادو البحيرة: اعتزلنا المهنة بسبب الأزمات
احتلت محافظة البحيرة المراكز المتقدمة فى إنتاج الثروة السمكية، بعد أن امتهن سكانها الصيد لما لها من طبيعة ساحلية، بالإضافة إلى بحيرة إدكو التى صُنفت من أكبر البحيرات الطبيعية بالجمهورية، وظل الصيادون بمراكز «إدكو، رشيد، شبراخيت، كفر الدوار» على مدار عقود طويلة، يتمتعون بخيرات النيل والبحر والبحيرة، إلى أن داهمتهم المشاكل والأزمات، وباتوا يواجهون تحديات كبيرة تهددهم بضياع مصدر رزقهم، دفعت مئات الصيادين للعزوف عن مهنتهم تدريجياً، وأخذوا يبحثون لأبنائهم عن مستقبل أفضل فى مهنة أخرى، بسبب العقبات التى يواجهونها، وعلى رأسها نقص الأسماك والحصار الذى يواجههم من قبل المتعدين والمخالفين، وأدوات الصيد البدائية وصعوبة الحصول على تراخيص، وافتقارهم إلى التأمين الاجتماعى والصحى، والمؤسسات التى تدافع عن حقوقهم. «نحن على مشارف اعتزال مهنة الصيد نهائياً، بسبب الأزمات التى تحاصرنا مع كل طلعة شمس، سواء من تلوث مياه الصيد ببحيرة إدكو، أو تقليص مساحات الصيد بقرار من المسئولين»، كلمات يائسة صارت تتردد على ألسنة صيادى بحيرة إدكو، التى تعد أحد أهم مصادر الثروة المهدرة فى مصر، بعد أن امتدت إليها يد الإهمال والفساد، وَوُجِهت ثرواتها لصالح المنتفعين والمخالفين، عقب الاستيلاء على مساحات شاسعة من البحيرة، تصل لمئات الأفدنة، دون تحرك من المسئولين بالمحافظة لإزالة تلك التعديات، على الرغم من صدور عشرات الأحكام القضائية من محكمة القضاء الإدارى لإزالة تلك التعديات، وتحولت بحيرة إدكو التى تبلغ مساحتها ٦٢.٧٨ مليون متر مربع، من مصدر رزق للصيادين، إلى بؤرة أزمات ومشاكل يبتعد عنها أصحاب مهنة الصيد.
«سعيد رسلان» عضو نقابة الصيادين بإدكو، يقول: «التعديات والمخالفات أهم ما يعوق عملية الصيد بالبحيرة، وإذا استمر هذا الوضع لمدة سنوات قليلة قادمة، فلن نستطيع صيد سمكة واحدة من البحيرة، وحتى إذا كانت هناك أسماك، لن يمكن لأحد أن يأكلها بسبب تلوثها بمياه الصرف الصحى، فيعيش الصياد الآن بين مطرقة التعديات وسندان التلوث البيئى، فبعد أن كانت مساحتها ٣٥ ألف فدان فى بداية القرن العشرين حتى بداية عام ١٩٤٧، ثم تقلصت مساحتها حتى وصلت إلى ٢٢ ألف فدان عام ١٩٥٣، ثم إلى ١٧ ألف فدان عام ١٩٨٣، وفى التسعينات وصلت المساحة المخصصة للصيد الحر إلى ٨ آلاف فدان، وحسب التقارير النهائية، فقد وصلت مساحة بحيرة إدكو الآن إلى ٥ آلاف فدان فقط.
التعديات وصيد الزريعة والفساد دمرت مساحة "إدكو".. والتراخيص تعوق رحلات الصيد
وأوضح أنه بالرغم من الإعلان عن تنفيذ حملات لتطهير بحيرة إدكو، وإزالة التعديات عليها، فى عهد المحافظ السابق اللواء مصطفى هدهود، إلا أن تلك الحملات لم تستمر فى تكريك البحيرة وإزالة التعديات سوى لأسبوع واحد فقط، نتيجة العلاقات الكبيرة التى يمتلكها المعتدون مع مسئولين كبار بالدولة، نتج عنها توقف الحملات التى استبشر بها الصيادون خيراً، للاستفادة من المساحات التى يسطو عليها هؤلاء، وهو ما كشفته محكمة القضاء الإدارى، بأن هيئة الثروة السمكية تقوم بتأجير المساحات ببحيرة إدكو بأسعار لم تتغير منذ عام ١٩٩٦، وعليه فقد قضت محكمة القضاء الإدارى بالإسكندرية، الدائرة الأولى بالبحيرة، برئاسة المستشار الدكتور محمد عبدالوهاب خفاجى، بتأييد قرار الجهة الإدارية، بإخلاء أحد المواطنين المتعدين على البحيرة، وإزالة وضع يده وتعديه على ٨٥٠ فداناً، بمزرعة كوم بلاج السمكية، بإدكو، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها الإعلان عنها بالمزاد العلنى، للحفاظ على مصادر الدولة الاقتصادية.
والتقط محمد جمال سلامة، صياد ببحيرة إدكو، أطراف الكلام قائلاً: «لم يكن الإهمال والفساد والتعدى على مياه البحيرة، هى التحديات الأهم أمام الصيادين، بل هناك فئة من بيننا ترتكب جريمة فى حقنا، وتهدر ثروات البحيرة من الأسماك، ولن نصطاد سمكة واحدة حال استمرار هذا الأمر، وهو صيد الزريعة وبيعها للمزارع السمكية، ولكم أن تتخيلوا المساحة المتبقية من بحيرة إدكو، وسط تلوث المياه بالصرف الصحى، فضلاً عن سرقة الزريعة، التى تعتبر مستقبل الصيد بالبحيرة، علماً بأن هناك بنداً فى القانون ينص على أن فتح بوابة أى مزرعة سمكية للصيد الجائر، أو الاعتداء على البحيرة يؤدى إلى فسخ عقد المزرعة فى الحال، وللأسف الشديد هذا الأمر موجود على الورق فقط.
«عيد ظريف السد» المستشار الإعلامى لنقابة الصيادين، قال إنه وسط كل هذه المخالفات، التى تتعرض لها البحيرة، لا يمكن إلقاء اللوم إلا على غياب التنسيق بشكل كامل بين هيئة الثروة السمكية، ومجلس مدينة إدكو، وشرطة المُسطحات المائية، وكل جهة تلقى المسئولية على الطرف الآخر، سواء الرقابة على المخالفات، أو تنظيم عملية الصيد داخل البحيرة، وبين هذا وذاك يضيع حق الصياد فى ممارسة مهنته بعيداً عن المتاعب.
وفى البحر المتوسط الذى يطل على مدينتى إدكو ورشيد، لم يكن الوضع أفضل من وضع البحيرة، حيث أكد عماد شعلان، صياد بالبحر المتوسط، أن مهنة الصيد إحدى أهم المهن التى تعتمد عليها عائلات المحافظة، ومع تزايد المشكلات التى تواجه الصيادين تراجعت أعداد المنتمين للمهنة، حتى أصبحت محصورة فى فئة محدودة من أبناء رشيد وإدكو.