للأثر ألف قصة.. خريدة القاهرة يحكي حواديت أهل العاصمة في معرض الكتاب

كتب: سلوى الزغبي

للأثر ألف قصة.. خريدة القاهرة يحكي حواديت أهل العاصمة في معرض الكتاب

للأثر ألف قصة.. خريدة القاهرة يحكي حواديت أهل العاصمة في معرض الكتاب

الحكايات تشبه السمك، الحكاية الكبيرة تأكل الصغيرة وتقضي عليها تمامًا، فأصبح لكل مكان "كام حدوتة مكررين ومتعادين بنلّت ونعجن فيهم" رغم أن حكايات المكان الواحد بعدد أنفاس البشر الذين زاروه وضفّروا حكاياتهم بحكاياته، ذلك ما دوّنه حامد محمد حامد وصدّقه وقدمه لمتابعيه في كتاب لمعرض القاهرة الدولي الكتاب 2020، يتطلع القارئ لحكايات باب زويلة بعيدا عن شنق طومان باي، ويستشعر صراع الواعظ التركي مع الأولياء المصريين وعلماء الأزهر أسفل قبة جامع "السلطان المؤيد" الذي شيد في العصر المملوكي وشهد أكثر الوقائع إثارة في فترة الحكم العثماني لمصر.

"هتخسر كتير لو كنت فاكر إن المساجد مجرد أماكن للعبادة.. وأنت ماشي في الغورية هتلاقي على شمالك جامع الفكهاني".. اعرف قصته

"خريدة القاهرة"، ليس كتاب تاريخ ولا كتاب آثار رغم ورود الكثير من الوقائع التاريخية الموثقة، وكثير من الإشارات إلى أماكن أثرية، لكنه لا يهدف بالأساس إلى السرد التاريخي أو الشرح الأثري المتخصص، بل يستلهم روح الخِطط، والخطط هي نوع من الكتابة يُعنى أساسًا بالجغرافيا التاريخية، موضوع الخِطط الأساسي هو تاريخ الأماكن، فالحكايات ليست مُرتَّبة تاريخيًّا، إنما هي فقط تجليات الزمن على المكان الواحد، والخيط الدقيق الذي يجمع شتات الكتاب هو روح الأماكن وحياتها، بطل الكتاب الأوحد هو المكان، ولا شيء سوى المكان، متجاهلًا شخصيات تاريخية ولفترات كبرى لحساب شخصيات ثانوية وهامشية أحيانًا، محتفيًا بعبقرية التفاصيل الصغيرة التي تجعلنا نرى التاريخ والأماكن بعينٍ جديدة.

كلمة "خريدة"، حسب مؤلف الكتاب، تعني اللؤلؤة المكنونة وهو أدق وصف لروح القاهرة "فالعاصمة لا تبوح بكل أسرارها أبدًا مهما بدا لك ذلك، وقاهرة اليوم بكل قسوتها هي مدينة لا يُمكن أن نحملها على محمل الجد أبدًا، ودائمًا ما تُخفي في أعماقها خريدة مدهشة، تنتظر فقط من يصل إليها ويكشف عنها".

"وانت ماشي في الغورية لما توصل لباب زويلة ويبقى على يمينك جامع المؤيد شيخ.. أول متدخل من باب جامع المؤيد.. ابقى افتكر إن هنا بالظبط كانت القيسارية (السوق) اللي بناها الأمير الكبير شمس الدين سنقر الأشقر.. واحد من جدعان التاريخ اللي محدش بيفتكرهم" وهو الصديق المقرب للظاهر بيبرس والذي أسره التتار عند دخولهم الشام وحارب بيبرس حتى استطاع تحريره بمساعدة ملك أرمينيا الصغرى نظير فك أسر نجله.

وبعد موت الظاهر بيبرس وصل للحكم بعده ابنه بدر الدين سلامش، فعزل قلاوون الألفي سلامش وأعلن نفسه سلطانا على مصر، وظهر هنا ولاء سنقر لصاحبه الظاهر بيبرس فرفض خلع سلامش ورفض مبايعة المنصور قلاوون وأعلن استقلاله بحكم دمشق، فأرسل له قلاوون جيشا من مصر، فكان التتار مراقبين للموقف ورأوا أنها فرصة مناسبة لضرب المماليك فقرروا الهجوم على الشام، إلا أن جيش سنقر تحالف مع جنود قلاوون وهزموا التتار، واعترف بعدها سنقر الأشقر بحكم قلاوون وعاش معززا الـ11 سنة التي حكم فيها المنصور قلاوون مصر.

تلك واحدة من بين الحكايات التي يحويها الكتاب المعتمد على اللغة العربية الفصحى بدلًا من العامية المصرية التي كان يكتب بها المنشورات على "فيس بوك" حتى تصل لجميع الثقافات، واضعًا جميع مصادره للحصول على تلك المعلومات في فهرس الكتاب.

قبل 12 عامًا كانت بداية حامد مع حكايات القاهرة، مؤمنًا بأن الحكايات وحدها هي من تهب الأماكن روحها المميزة، فالحكايات هي حيوات من عاشوا قبلنا وضفّروا مصائرهم بمصير الأماكن، وبدأ بكتاب مجمع من مجموعة مقالات أسبوعية كان يكتبها في موقع إلكتروني شبابي وعنونه بـ"حدوتة مصرية" متناولًا حكايات من تاريخ مصر الحديث. بحسب "حامد" الذي قال، إنه ينزعج من وضع الأماكن في قوالب ثابتة، وإنه يهتم أكثر بالأماكن غير المشهورة ليسلط الضوء على نقاط لا يعرفها الكثيرون.

"هتخسر كتير لو كنت فاكر إن المساجد مجرد أماكن للعبادة.. وأنت ماشي في الغورية هتلاقي على شمالك جامع الفكهاني" والمرتبط بحكاية الخروف المعجزة والولي سيدنا الفكهاني الذي اخترع الناس حكايته وصدقوها.

وتعود الحكاية الأولى في حدود سنة 543 هجرية، واحد من خدم الخليفة الفاطمي الظافر بدين الله كان يقف على سطح بيت يرى منه "زريبة الخرفان اللي جنب البيت" وجد جزار يمسك خروفين لذبحهما "الجزار دبح الخروف الأول وساب السكينة جنبه وراح يجيب حاجة من برة الزريبة، الخروف التاني مسك السكينة ببقه، وجري رماها في البلاعة، جه الجزار يدوّر على السكينة ملقهاش، الخادم جري على الخليفة الظافر وحكاله على اللي شافه، الظافر مش مجرد حاكم عادي، ده إمام فاطمي من سلسال الأئمة الفاطميين المقدسين، فاعتبر إن اللي حصل ده رسالة ليه شخصيًا من الله فمنع دبح الخروف التاني، وأمر إن الزريبة تتهد و يتبني مكانها جامع، جامع الظافر، اللي بعد كده بقى كتيرمن بياعين الفواكه يقفوا حواليه، وده اللي خلى الناس تنسى حكاية الظافر وخروفه، وتعرف الجامع ده باسم جامع الفاكهانيين، ومع الوقت حدوتة تانية تبدأ تستوي واحدة واحدة على نار هادية، حدوتة ولي من أولياء الله شغلته فكهاني.. قال إيه هو اللي رمم الجامع ده، وأصبحت مشهورة أيام العثمانيين".

امتهان الصيدلة لم يمنع "حامد" عن هوايته الوحيدة، ما دفعه للحصول على دبلومة أنثروبولوجي من كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، ليجد أن الأنثروبولوجي مفيد جدا من ناحية دراسته للإنسان من أكثر من زاوية في نفس الوقت وبالتالي يستخدم ويربط بين أكثر من علم لتفسير الظواهر الإنسانية: "مقدرش أقول إن خريدة القاهرة دراسة أنثروبولوجية، بس أكيد كان فيه دايما شيء من الأنثروبولوجي بيلح عليا وأنا بكتب".


مواضيع متعلقة