"معضلات الفلسفة السياسة".. قصة الشرعية ( 1)

أحمد صابر

أحمد صابر

كاتب صحفي

في الآونة الأخيرة ومع تزايد الصراع في ليبيا ارتفعت وتيرة الخلاف حول مصطلح الشرعية وكيف يمكننا القول بأن هذا النظام شرعي أم لا، هذا المصطلح الذي تُرتكب علي أنقاضه أبشع الجرائم وتتراقص علي نغماته الجماعات الدينية التي تريد فرض نفسها علي المجتمعات عنوةً بعد أن فشلت في إثبات وجودها السياسي والحفاظ عليه بالطرق المشروعة..

بداية ً فلن تجد أحدًا من هؤلاء المنظرين يعرف ما تعنيه الشرعية السياسية وكيفية الحفاظ عليها، بل والأخطر من ذلك أنهم في الأساس يتحدثون عن نوع آخر من الشرعية، وهي الشرعية الدينية وليست السياسية، باعتبار أن الحاكم حفيظ علي دين الناس وممثل لعقيدتهم منذ لحظة وصوله إلي سدة الحكم، وهو خليفة الله الذي لا يمكننا نزع هذه الشرعية عنه تحت أي ظرف، وهنا تظهر المشكلة.

 هل ستقنعهم أن لا وجود لشيء يسمي الشرعية الدينية في مجتمع يشتمل علي أديان مختلفة وعقائد متباينة؟

أم ستحدثهم عن الشرعية السياسية وشروط استمرارها؟

سواء حدثتهم بهذه أو تلك فلن يقتنعوا إلا بما يريدون، فإذا كان الحاكم منهم أضفوا عليه قدسية أبدية لا جدال فيها، وإذا كان ممثلًا لأي فصيل آخر فمحاربته تصبح واجبة لأنه خطر على دين الناس !..

عندما تناول الفلاسفة قضية النظام السياسي وصاغوا رؤيتهم حول الشكل الذي يجب أن يكون عليه، نلحظ اختلافًا كبيرًا بينهم ربما يساعدنا كثيرًا في عقد مقارنات لفهم العديد من الجدليات علي مدار هذه السلسة من المقالات،

وفي تأصيل موجز لهذه القضية سنتناول الفيلسوف توماس هوبز ثم جون لوك ويليهم جان جاك روسو، أما عن الأول فيري أن الإنسان شرير بطبعه يحتاج من يقومه ويكون حارسًا علي أخلاقه وأفعاله، وبالتالي فالحاكم لا يمكن لأحد رفضه والاعتراض عليه أو سحب الثقة منه مهما حدث، الشرعية دائمة أبدية عند هوبز، فالإنسان ذئب والحاكم موجود لردعه.

أما عن جون لوك فقد رأي علي النقيض أن الإنسان مسالم بطبعه ولا يحتاج حارسًا عليه، فالحاكم في المجتمع مسؤول ويمكن نزع الشرعية عنه.

أما روسو فذهب إلى أبعد من ذلك حيث رأي الإنسان خيرًا بطبعه والمجتمع هو من يحكم نفسه وأن ذلك الحاكم ما هو إلا مجرد ممثل لهم يمكن نزع الشرعية عنه لأن الشعب هو كل شيء..

نحن الآن أمام ثلاثة نماذج تتحدث عن النظام السياسي وسلطة الحاكم وشرعيته السياسية، ذلك النظام الأول الذي وضعه هوبز والذي يُعتبر المنظر الأول للاستبداد هو النظام الأمثل للتعبير عن فكر الجماعات الدينية التي تري أن الحاكم حارس علي أخلاق الناس وعقائدهم وتوجهاتهم ومكلف بالحفاظ عليها بل وتقويمها متى تطلب الأمر، ولذا فإن هذه الجماعات تضفي كلمة الشرعية علي أي حاكم يمثلهم، شرعيةً أبديةً لا حق لأحد في الحديث حولها.

وهذا بالتحديد ما يحدث في ليبيا وما حدث في مصر وما سيحدث دائمًا في أي بلد تسيطر عليها عقول هذه الجماعات الأصولية، وسوف نكمل الحديث بالتفصيل في المقالات القادمة..

                                                                           أحمد صابر

                                                 عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين