طلباتك إشارة.. الوطن تعيش تجربة في مطعم يديره الصُّم

كتب: نهال سليمان

طلباتك إشارة.. الوطن تعيش تجربة في مطعم يديره الصُّم

طلباتك إشارة.. الوطن تعيش تجربة في مطعم يديره الصُّم

وسط صخب الحياة اليومية، تتحول أسماء أكلاتك ومشروباتك المفضلة إلى إشارات وعلامات، حين تدخل إلى أحد مطاعم شارع البطراوي بمدينة نصر، حيث تعد بواسطة أياد لا تعرف المستحيل، وتتحول فرصة طهي وتقديم طعامك في المطعم لطاقة أمل، فتحت لهم أبواب حياة جديدة غير تلك التي امتلأت بالمعاناة، ليس لشيء له علاقة بمؤهلاتهم ولا مهاراتهم، وإنما لأنهم فقط من ضعاف وفاقدي السمع.

عايشت "الوطن" تجربة الوجود في أحد فروع سلسلة مطاعم منتشرة في العالم، لكنه في مصر أول الفروع الذي يُدار من خلال موظفين من ضعاف وفاقدي السمع.

لافتة على باب المطعم لتعريف الزبائن.. وإصرار على الدخول للتجربة

كأي مطعم، تدب الحركة بالزبائن داخله بين حين وآخر، ليتوقف كل من يتأهب للدخول أمام لافتة معلقة على بابه، مُدَوْن عليها "بكل الفخر هذا الفرع يُدار بواسطة الصُّم وضعاف السمع"، انتبهت إليها خلود ومحمد يوسف، قبل دخولهما لتناول وجبة سريعة أثناء عودتهما من مهمة عمل، ليقررا بعد المفاجأة، التي لم تدر بخلدهما، أن يدخلا للتجربة، ووجدا "آمال" بانتظارهما على طاولة الكاشير، التي تعلوها لوحة كبيرة تضم تفاصيل كل وجبة، وتحمل لافتة أخرى مكتوب عليها "برجاء الإشارة إلى طلبك".

انهمكت آمال مع ضيفيها، تستطلع منهم مواصفات الوجبة، بين حجم وإضافات ومكان تناولها بالمطعم أم بالخارج، ليقررا الجلوس على أحد الطاولات انتظارا لطلبهم، ووصفت خلود التجربة، لـ"الوطن": "التجربة حلوة جدا وعايزين نجربها تاني لأن الكاشير كانت أحسن من أي مكان تاني وفهمتني بسرعة وطول الوقت بتبتسم ومركزة علينا علشان تطلب لنا حاجاتنا".

لوحة كبيرة بين العميل والموظف توضح تفاصيل الطلبات

كان محمد العنزي السعودي في أول أيام زيارته لمصر، قد شرع للدخول إلى مطعم شارع البطراوي، فاجأته اللافتة لكنه قرر أن يخوض التجربة، ليجد آية، كاشير بالمطعم، في استقباله بابتسامة لم يبددها قلق أو اضطراب، وبدأت هي والعنزي يتحدثا ببعض الإشارات حول طلبه، كما هو متبع في المطعم، "أول مرة أشوف كدة وبدأت اتعامل وأشاور على طلبي في المينيو وأحب أجربها تاني.. توفير فرصة عمل ذوي الهمم شيء ممتاز"، بحسب حديث الزائر السعودي لـ"الوطن".

أجهزة تعمل بإشارات ضوئية تربط بين الكاشير و"الشيفات"

التواصل بين الخط الأمامي لتجهيز الوجبة، متمثلا في الكاشير، ومقدمي الطعام، وبين الخط الخلفي متمثلا في الشيفات، كان يلزمه بعض الإضافات، فقامت الشركة بجعل المعدات تعطي إشارات ضوئية بديلا عن الإشارات الصوتية كي تتناسب معهم، إضافة إلى شاشات بها كاميرات تواصل داخلية، ويوضح رضا عبدالمنعم مدير مشروع تشغيل وتدريب ومتابعة الصم بالمجموعة المالكة لسلسلة المطاعم: "لو فيه تعديل أو إضافات أو أي استفسار من الكاشير، بيشغل شاشة وكاميرا قدامه ويبدأ يتواصل مع زميله جوة عن طريق شاشة أخرى".

أسماء "كاشير بالمطعم": كان قلبي بيدق وأنا بتعامل مع العميل بس أحسن من أي شغل تاني مفيهوش احترام لينا

 

"ماتخليتلش في حياتي إني اشتغل كاشير وأشوف منيو إنجليزي لكن دعم وتشجيع أستاذ رضا في شهر ونص التدريب وبعدهم التشغيل التجريبي شهر ونص قدرت أتعامل بعد ما كان قلبي بيدق مع كل عميل يدخل"، بهذه الكلمات بدأت أسماء حديثها لـ"الوطن"، بحماس دبَّ في نفسها، بعد أن شعرت بأهميتها في المجتمع.

وتحكي أسماء، الفتاة العشرينية، التي تخرجت من مدرسة الإعدادي بالمطرية، عن تجربتها العملية داخل المطعم، أنها استطاعت أن تثبت كونها ليست أقل من أي شخص، وزاد شعورها هذا بعد أن وجدت فرصة عمل، "بنتعامل مع بعض باحترام غير قبل كدة لما اشتغلت في محل كان كله قلة قيمة ومحدش فاهمني بس كنت محتاجة الفلوس"، مؤكدة أنها تشعر بالامتنان للتعاون بين وزارة التضامن الاجتماعي والمجموعة المالكة للمطاعم، لتوفير مثل هذه الفرص.

"شيف" في المطبخ: بحس إن الشغل مع ناس بتتكلم بيكون صعب وهنا لقيت نفسي

في الصباح الباكر، يبدأ محمود، الشيف المطعم، التحرك من منزله بالمطرية، متوجهًا إلى الأتوبيس الذي وفرته الشركة لنقله وأصدقائه من منازلهم إلى مقر عملهم بمدينة نصر، ويروي عن تجربته: "لما كنت بشتغل مع ناس يتتكلم كان الموضوع صعب وبعد ما جيت هنا بقيت بحس إن نفسيتي أحسن من الأول ومرتاح ولقيت نفسي".

 

وعن ظروف العمل في المطعم، قال محمود: "هنا فيه تأمين على الحياة ووجبة كل يوم وأتوبيس يعني مرتبي مش بصرف منه حاجة والعملاء مبسوطين وبيزيدوا وعرفت كل مهام شغلي"، ويتمنى محمود أن يصبح مديرا لأحد الفروع يومًا ما.


مواضيع متعلقة