في صباح يوم الأحد، استيقظت متأخرًا عن ميعاد وصول أوتوبيس الجامعة الذي يقلني إليها يوميًا، فقررت أن أشق طريقي، وأخوض مغامرة ستستمر لمدة 3 ساعات؛ لأصل لجامعتي عبر المواصلات العامة.
في بادئ الأمر، وقفت لأسد جوع الصباح ببعض حبات الفول من إحدى العربات العريقة التي تقف في مكانها منذ أكثر من 10 أعوام، وينهال عليها يوميًا مئات المواطنين، من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، فالطبق ثمنه 5 جنيهات، كفيل بأن يملأ جوفك حتى منتصف الليل.
أثناء انتظاري لطبقي الخاص، رأيت من يفاصل مع البائع، الذي يريد أن يحاسبه على ثمن "رغيفين زيادة " وكان الجدال كالتالي..
- نص جنيه ليه ياعم ؟!
- انت واكل لوحدك 5 ترغفة
- ياعم انتوا بتستغلوا أي حد كدة ؟! منكو لله.
- ماشي، هات بس النص جنيه.
رأيت من يتحدث في الهاتف، وينفعل على من يحدثه طالبًا منه أن ينتظر حتى بداية الشهر الجديد ليسدد ما عليه؛ فالحالة "ضنك"، ورأيت من يشتم في الرجل الذي كان يفاصل بعدما رحل، رغم أن حاله لا يختلف كثيرًا عنه، ولكن أراد أن يساند البائع، آملًا في ألا يحاسبه هو الآخر على ثمن "رغيفين تلاتة زيادة".
قررت أن أسير قليلًا حتى موقف "الميكروباصات" المتجهة إلى رمسيس، آملًا في أن تبدأ أجهزتي الداخلية في عملية الهضم؛ ليذهب الشعور الداخلي "بالمعارك" التي تدور في معدتي.
وصلت إلى الموقف، ركبت "الميكروباص"، جلست في الكنبة الخلفية، فتحت كتابي، بدأت القراءة، واندمجت مع حروف الكاتب جلال أمين، الذي يستطيع بقلمه أن يشرح لك أصعب المواقف السياسية في سطرين.
- على جنب ياسطا.
- اتفضل يا باشا ـ ينزل أحد الركاب، وتصعد سيدة في الأربعينيات، ملابسها نظيفة، هيأتها تصنفها من الطبقة المتوسطة التي تصارع لتظل متوسطة، وتجلس في الكنبة الأمامية، وبعد مرور 5 دقائق.
- الاستاذة اللي لسة طالعة، الأجرة لو سمحت.
- "صمت".
- يا أستاذة، الأجرة بعد إذنك!
- "بصوت ذليل ومحرج جدًا" معلش أنا آسفة، معييش فلوس.
الميكروباص يركن على جنب و..
- انزلي يا أبلة.
- عدد من الركاب في صوت واحد: خلاص يا سطا أنا هدفع.. واحد يمد ايده بجنيه وربع.
بدأت في تدوين هذا الموقف، ثم بعد حوالي 15 دقيقة، نزلت هذه السيدة محطتها ــ على فكرة دي تاني مرة تركب معايا، وكل مرة تعمل الحركة دي! ويستمر النقاش..
- بس أكيد معهاش ياسطا.
- يعني انا اللي معايا ياعم.