«المطلوب رطلٌ من اللحم»
أن تحتفظ برباطة جأشك فى أوقات الأزمات، بينما جميع من حولك يعتلى منابر الصياح فى ساحات الضجيج، ليس أمراً سهلاً. أن تنتصر للموضوعية بعقل بارد ولا تقع فريسة لفخ التسطيح والتضليل والمبالغة فأنت بكل تأكيد بطل من أبطال زمن «الكورونا».
المشهد المُربك يقول إننا بصدد «معجنة عالمية كبرى». فى مصر، حكومة تدير المشهد بحكمة نادرة وإمكانيات محدودة. اقتصاد كاد يخرج من دوامات التردى إلى براح «جنى الثمار»، فإذا به يرتطم بجدار فولاذى ويدخل فى سيناريوهات سلبية مفتوحة. شركات تتشبث بالبقاء وسط طوفان سوف ينسف قطاعات ويعيد تشكيل اقتصادات. عاملون على وشك فقدان وظائفهم. عمالة غير رسمية وغير مرئية تقدّر بأكثر من 10 ملايين عامل.
فى الخلفية من المشهد طلقات طائشة أطلقها -من عزلتهم- رجال أعمال يعتبرهم البعض رموزاً لمجتمع البيزنس، وشيوخاً له، أعادت إلى الأذهان صورة المرابى اليهودى «شايلوك» فى مسرحية «تاجر البندقية» الذى اشترط أن يقتطع «رطلاً من لحم» «أنطونيو»، حال التأخر عن سداد القرض.
دون مراعاة توقيت حساس أو تقدير لموقف متأزم، وحسابات معقدة، أو اختيار قنوات مناسبة لإيصال رسائلهم، جاءت تصريحات رجل الأعمال نجيب ساويرس، ومن ورائه د. علاء عرفة، ثم د. رؤوف غبور، وأخيراً المهندس حسين صبور، لتثير حالة لا نهائية من السخط والاستفزاز، وإثارة الرأى العام ضد ممثلى «الرأسمالية المتوحشة».
تصريحات من عينة «اللى يعوزه البيت يحرم على الجامع»، و«شوية يموتوا أحسن ما البلد تفلس»، ليس من المتوقع أن تُستقبل بالورود، فى وقت تكافح فيه الدولة لتطبيق إجراءات العزل فى مواجهة عدو شرس ومجهول.
لكن فى المقابل، أوقات كهذه لا تصلح لتصفية حسابات أيديولوجية. ومشهد كهذا يجب ألا يتحول إلى مسرح رخيص للمزايدات وإطلاق الأحكام.. رجال الأعمال لهم حساباتهم، ورؤيتهم الخاصة. وصانع القرار له رؤيته الأشمل التى تسع الأبعاد جميعها، اقتصادية واجتماعية وسياسية وصحية.
بحكم مهنتى كصحفى متابع للشأن الاقتصادى ومجتمع الأعمال منذ 15 عاماً، أتفهم المخاوف بشأن كوارث اجتماعية قد تنتج بفعل الشلل الاقتصادى، صحيح هناك تحركات غير معلنة من جانب رجال أعمال لمواجهة الجائحة، إلا أن أحداً لم يضع ورقة مقترحات موضوعية تراعى التوازن بين استمرار النشاط الاقتصادى والحفاظ على حياة الناس، الذين هم أحد أهم محركات هذا النشاط.
تكشف الأزمة الحالية عن أزمة ثقة واضحة. وعن غياب مؤسسى فاضح داخل مجتمع الأعمال. بقدر ما تكشف عن خلط فادح بين المسئولية المجتمعية و«عمل الخير». البنك الدولى يعرف الأولى بأنها «التزام أصحاب النشاطات بالمساهمة فى التنمية المستدامة من خلال العمل مع موظفيهم وعائلاتهم ومجتمعهم، لتحسين مستوى المعيشة بأسلوب يخدم التجارة والتنمية فى آن واحد»، بينما الثانية عمل بين المرء وربه.
الخلاصة أن رجال الأعمال ليسوا «الأم تريزا». والمسئولية المجتمعية ليست صدقة. فى هذا السياق يمكن القول ببراجماتية خالصة إن عدم تسريح العمالة، والالتزام بانتظام الرواتب جزء من هذا التعريف، لا التهديد بتسريحها، وقتها لن ينظر إلى «ساويرس ورفاقه» أنهم وكلاء «شايلوك».
فيما يشبه رسالة إلى منتقدى الإجراءات، يخبرنا فرانكلين روزفلت أنه «ليس الانتقاد هو الذى يؤخذ فى الحسبان، ولا الرجل الذى يشير إلى كيفية تعثر الرجل القوى، وأن الفضل يعود إلى الرجل الذى هو فعلاً فى الميدان، ووجهه ملوث بالغبار والعرق والدم».
وفيما يشبه رسالة إلى منتهزى الأزمات، يخبرنا جورج برناردشو أن «المرء إن لم يكن شيوعياً وهو فى العشرين، فهو قطعاً بلا قلب، وإذا استمر على ذلك حتى الأربعين فهو بلا عقل!»، بينما يصر أصحاب «الرفيق تروتسكى» على أن «الحقد هو السلاح لقلب نظام العالم!».