الدولة الوطنية ضرورة في مواجهة كورونا
تنظر الشعوب فى غالبية البلدان بعين التقدير لحكوماتها التى بادرت باتخاذ حزمة من الإجراءات والتدابير المكثفة لمواجهة التصدى لمخاطر انتشار الوباء، وهى التدابير التى تسعى بالأساس للسيطرة على معدلات الانتشار أو الحد من تسارعها ريثما يتوافر لقاح مناسب للعلاج والوقاية من الفيروس.
فالدولة فى كل بلد هى المسئولة عن ضمان الحق فى الصحة من خلال توفير أفضل مستوى من الرعاية الصحية والعقلية، ولا يجوز أن يتضرر أى شخص من الحق فى الصحة نتيجة سياسات الدولة، ويجب على الدولة ضمان الحق فى الوصول لمتطلبات الرعاية الصحية، ونبذ أى تمييز يؤدى للانتقاص من هذا الحق، خاصة أن الحق فى الصحة يشمل ضمان الحق فى الحياة والبقاء.
ورغم أن المعايير الدولية تضمن حق البلدان الأقل نمواً فى تلقى مساعدة المجتمع الدولى لضمان الحد الأدنى المناسب من الرعاية الصحية، فإن تحقيق هذا الالتزام من قبَل الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة لم يصل، وفقاً للأمم المتحدة، إلى أى مستوى مقبول فى الظروف العادية، وجعلته أزمة كورونا محض خيال بعيد، على الأقل فى المدى المنظور.
أعاد كورونا الاعتبار للدولة الوطنية ودورها، بل وبما يتجاوز التطلعات السابقة لاستعادة الوظائف الاجتماعية الأساسية للدولة إلى عالم ما قبل 1990، وأهال التراب على العولمة وسياسات النيوليبرالية وذاك التوجه نحو تعميم مفهوم الدولة الحارس والمنظم والمتخلى عن واجباته الاجتماعية.
أولى الأولويات تتركز فى كفاءة وقدرة النظام الصحى الوطنى على النهوض بالأعباء، وثبت قطعياً أنه ما لم تكن الدولة صاحبة الدور فى توفير الرعاية الصحية عبر منظومة تأمين صحى تكافلى فلا مراء أن النظام الصحى لن يكون قادراً على استيعاب التحدى، وأكثر من ذلك، فما لم تكن الدولة هى الفاعل الرئيسى فى النظام الصحى من خلال ملكية القدرات الاستيعابية الأعلى فى المشافى والمراكز الطبية والقدرات الوقائية والسيطرة على إنتاج ومخزون الدواء، فلن يكون بوسعها النهوض بدورها.
ويمكن الاستدلال على ذلك بسهولة من خلال إجراء مقارنة بسيطة، ولكن بالغة الدلالة، للإطلال على الفارق الشاسع بين واقع التأمين الصحى الذى يوفره القطاع الخاص فى السوق الأمريكية وبين واقع الرعاية الصحية التى تحكمها الدولة بشقيها العام والخاص فى مجتمعات غرب أوروبا، رغم تماثل الواقعين فى تبنى آليات السوق الحرة.
ورغم التفاوت فإن تأمين حماية العمالة فى القطاع الحكومى، بما فى ذلك منشآت القطاع العام، تبقى أكثر جدارة وأماناً من إمكانية تأمين العمالة فى القطاع الخاص، ولا يفت فى عضد ذلك قدرة بعض حكومات الدول الغنية على ضخ سيولة مالية كبيرة من الخزانة العامة لتعويض العمالة وضمان العيش، فهذه القدرة لن تدوم إذا ما طال أمد الأزمة، وبالتأكيد فإن هذه القدرة تبقى أقل بكثير فى الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، فالفارق يتعلق بالفترة الزمنية التى يمكن فيها لحكومة أى بلد تأمين هذا القدر من الموارد.
ونظرة سريعة إلى الاحتياج الهائل للمستلزمات الطبية من قبيل أجهزة التنفس الصناعى ومعدات التحليل الطبى، بما فى ذلك كواشف الحرارة وأدوية تقوية المناعة، تقود حتماً لإعادة النظر فى تخلى الدول الغنية والفقيرة على السواء عن فلسفة الإنتاج فى مواجهة مفهوم الربحية، فلم يعد آمناً للجميع أن يعتمد على تأمين الإمدادات من دول قليلة تنهض بدور قلعة الإنتاج للعالم، كما هو حاصل فى الصين وبعض بلدان شرقى آسيا.
ولم يكن تلويح الرئيس الأمريكى باستخدام أوراق ضغط بحق الهند للتخلى عن منع تصدير بعض منتوجاتها الدوائية سوى مؤشر على أهمية ضمان الإنتاج الوطنى للعقارات الدوائية، وهو ما يدعونا فى مصر لتأمل المخاطر التى كان ممكناً أن تقع لو لم تقم الدولة بجهد عارم فى حماية صناعة الدواء التى كادت تواجه الاندثار قبل ثلاث سنوات بعدما تلاشت شركات ومصانع راسخة وتراجع إنتاج العقاقير الدوائية من ستة آلاف صنف إلى ما دون ألفى صنف، فرغم ما أصابنا من زيادات فى أسعار الدواء كانت هائلة بالنسبة لمستويات دخول الأغلبية، فإنها تبقى دون 10 بالمائة من تكلفة استيراد ذات العقاقير من الخارج.
وعلى الرغم من التفاوتات الهائلة فى مستويات جودة التعليم بين دولة وأخرى، فإن أخطر ما يواجه العالم اليوم هو أزمة الوعى، فالتفاوتات تبدو جلية فى تنوع مظاهر اللاوعى، لكن السلوكيات الشائعة تؤدى إلى نفس النتائج، فبينما يستيقظ العالم كل صباح ويغفو كل ليلة على أنباء الفيروس التى دفنت القضايا العالمية والمحلية الأخرى، فإن الاستجابة السلوكية لتفادى المخاطر والتزام الوقاية لم تلاقِ النجاح بدليل الانتشار المتسارع للفيروس وزيادة معدلات الإصابة بمئات الأضعاف من شهر إلى آخر.
فمن الحديث عن استهتار البعض فى مجتمعات متقدمة على صلة بتباينات حزبية غير رشيدة، إلى حديث عن مقاومة الأهالى للسلطات فى جنوب آسيا لمنع اقتياد مرضى مؤكدين من منازلهم إلى المعازل الطبية، وما بينهما من أحاديث عن مناهج تطبع السلوك العام، وتبنى الناس لآراء فاعلين على وسائل التواصل الاجتماعى يواصلون الاستثمارات المنحرفة للأزمة بحثاً عن مكسب سياسى أو مأرب شخصى أو دعاية تجارية، لا يبدو أن معدلات الإصابة فى طريقها للتراجع فى وقت قريب.
ربما يجدر بكل دولة على حدة النظر فى حزمة أعمق من التدابير فى سياق خطط الاحتواء، يتقدمها إعادة تخصيص الموارد المتاحة فى الأجلين القصير والبعيد لرفع القدرة على التصدى للاحتمالات الأسوأ، مع الاستثمار الأمثل لقواعد المعلومات الوطنية فى توجيه الدعم الضرورى للفئات المضارة والأكثر حاجة، وعزل القطاعات السنية والنوعية الأكثر عرضة للإصابة مع المحافظة على دوران عجلة الإنتاج باتجاه منح الأولوية لتوفير الاحتياجات الملحة بشكل يترافق مع حزمة تحفيز ضريبية لتنشيط القطاع الخاص والمحافظة على العمالة.
ويجب كذلك الإسراع فى معالجة أية عوائق تحول دون تمكين المجتمع المدنى فى كل بلد للنهوض بدوره فى إطار خطة وطنية متكاملة للتصدى للمخاطر، وخاصة على صعيد التوعية العامة والنصح والإرشاد، بالإضافة إلى ما يقدمه قطاع المؤسسات الخيرية من دعم عينى صحى وإنسانى يساهم فى سد بعض النقص فى قدرات الدولة.