ماذا بعد الكورونا؟ عالم يموت.. وعالم يولد

مع سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، تم إنشاء نظام عالمى جديد فى جميع أنحاء العالم بقيادة الولايات المتحدة. وبدا انتصار الديمقراطية والليبرالية لا يمكن وقفه، بينما سقطت الحكومات الشيوعية الواحدة تلو الأخرى ضد التدافع الديمقراطى. ومع ذلك، وبعد عشرين عاماً من هذه الأحداث، تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ نجد صعود الصين كمنافس محتمل على الساحة الدولية.

إن عملية كسر الحواجز بين الرقمية والفيزيائية والبيولوجية حوّلت العالم الذى نعيش فيه لعالم متغير بسرعة مذهلة، فالقفزات التكنولوجية فى الآونة الأخيرة والتى نطلق عليها «الثورة الصناعية الرابعة» خلقت تحولات كبيرة فى جميع قطاعات المجتمع. تقنيات الجيل الخامس، الذكاء الاصطناعى، البلوك تشين، الهندسة الوراثية، الطباعة ثلاثية الأبعاد، مروراً بالعملات المشفرة، إلخ.. إنها ليست فرص عمل رائعة فقط! ولكنها أيضاً ساحات قتال، إذ تناضل الشركات، بل دول بأكملها، من أجل السيادة. يؤدى هذا كله إلى إجماع راسخ فى أذهان الكثيرين، وهو انهيار النظام العالمى وبداية ظهور نظام عالمى جديد لم يتم تحديد معالمه بعد. ولكن الأكيد أنه سيمتلك ميزات مختلفة تماماً عما رأيناه سابقاً... نظام عالمى جديد يرسخ لعدة مفاهيم: عالم أكثر رقمنة.. حكومة رقمية.. مواطن رقمى.. النقد الرقمى.. التعليم عن بُعد.. العمل عن بُعد. يقودنا هذا كله إلى ضرورة الإبحار والتفكير والتعمق فى ماهية أجندة النظام العالمى الجديد وآلياته المتوقعة؟!

ولعلنا فى السطور القادمة نطرح بعض الموضوعات والأطروحات والتساؤلات التى استدعتها جائحة الفيروس التاجى «COVIED-19»، والتى ستغير نظرتنا وثقافتنا للعديد من الأمور.

أول هذه الموضوعات العملات الرقمية، ففى هذا الترتيب الجديد الذى يتشكل ببطء.. هل ستلعب العملات المشفرة دوراً؟! تساؤل يطرح نفسه.. ماذا ستكون نتيجة التفاعل بين العملات الرقمية والعملات الافتراضية الحكومية؟. الحقيقة هى أن كلاً من أصول التشفير والأصول الرقمية الحكومية هى اتجاهات لا يمكن إيقافها من قبَل أى شخص أو كيان معين، على العكس من ذلك فإنهما جزآن حاسمان من النظام العالمى الجديد عند ولادته.. أكثر رقمنة.. وأكثر ترابطاً.. وأكثر لا مركزية. لذلك إذا كان يجب فعل شىء ما للحكومات، فمن المفترض أن تفرض وجود العملات الرقمية، وضمان استمراريتها مع مرور الوقت وألا تغفل ضرورة صياغة التشريع اللازم لضمان إنفاذ القانون، وذلك بهدف الاستفادة من المزايا المتقدمة لتسريع العمليات والمعاملات فى الاقتصاد بدلاً من الانخراط فى حرب عقيمة ضد العوامل المشفرة.

ثانيها الذكاء الاصطناعى، والذى لعب دوراً مهماً فى الحد من واكتشاف هذا الفيروس لدى الأشخاص المصابين. وهو ما انتهجته الصين، واستخدمته فى تسريع العمليات العلمية. إذ أعاد العلماء إنشاء تسلسل جينوم «COVID-19» فى شهر، وذلك بمساعدة هذه التقنية بالمقارنة بإعادة إنشاء تسلسل الجينوم لفيروس سارس عام 2003، الذى استغرق عدة أشهر لاتباع الطرق التقليدية.

هذا ونجد أن بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية، قد بادرت بعض مؤسساتها الحكومية بتبنى تطبيقات الذكاء الاصطناعى للحد من هذه الجائحة، فتبنّت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة الداخلية مشروعات بحثية بالتعاون مع الجامعات ومعاهد البحوث وشركات الاتصالات، وذلك بهدف إنشاء خرائط لمساعدة السلطات الكورية لفهم كيفية حركة المواطنين، وكيفية انتشار الفيروس.

ثالث هذه الموضوعات، والذى ظهر دوره جلياً، تقنية الـ«بلوك تشين»، حيث ساهمت فى الحفاظ على استمرارية الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين، والتى كانت لها انعكاسات مباشرة فى تقليل التجمعات البشرية.

رابعها، وأعتقد أنه أمر غاية فى الأهمية، ما هو مستقبل الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة فى هذا النظام العالمى الجديد المرتقب؟ قد أرى من وجهة نظرى أن فكرة الاندماج والاستحواذ تلوح فى الأفق بهدف خلق كيانات وتحالفات لها القدرة على الاستدامة والابتكار والإبداع.

وبالتأكيد لتحقيق كل هذا وذاك لا يمكن إغفال تطوير وتجهيز العنصر البشرى، سواء على مستوى تهيئة الأطفال فى المدارس، والذين كانت تجربتهم مع التعليم عن بُعد نتيجة لهذه الظروف رائعة، بل لعلنا نرسخها حتى فيما بعد الأزمة لتكون ضمن المنظومة التعليمية. أما على مستوى طلبة الجامعات -كوادر المستقبل- فعلينا تدريبهم نظرياً وعملياً لمواكبة احتياجات سوق العمل القادم والمختلف شكلاً وموضوعاً.

لذا أعتقد أن تكون كافة هذه الموضوعات على أجندة عمل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بكافة تفاصيلها، ومشروعاتها، وقوانينها، واستراتيجياتها التنفيذية الملموسة على أرض الواقع فى القريب العاجل. ومن المؤكد أيضاً أن لمجلس الذكاء الاصطناعى، بالشراكة مع قطاعات ومصانع الدولة المختلفة، والقطاع الخاص حظاً وفيراً فى تنفيذ العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعى.

لنركز الجهود لخلق بيئة تنافسية لمرحلة ما بعد الكورونا.