المعضلات الأخلاقية الإحدى عشر لكارثة كورونا
- كورونا فيروس
- فيروس كورونا
- فيروس كورونا المستجد
- كورونا
- كوفيد 19
- covid 19
- كورونا فيروس
- فيروس كورونا
- فيروس كورونا المستجد
- كورونا
- كوفيد 19
- covid 19
لا زالت كارثة كورونا تضرب وتزلزل بعنف حياة الناس في مختلف بقاع العالم. ولأنها كارثة غير مسبوقة وتمس مختلف جوانب الحياة في مختلف البلدان، فهي كاشفة لجوانب الخلل والعوار القائمة في النظم والتعاملات المجتمعية. وهي تطرح خيارات صعبة أقرب إلى المعضلات لأنها تتضمن أضراراً مؤكدة في كل خيار، ولأن المنافع المحققة في أي خيار يقابلها أضراراً تفوق هذه المنافع. وهذه الخيارات الصعبة يحكمها أيضاً درجة توجه المجتمع والنظم المؤسسية فيه بالاعتبارات الأخلاقية والإنسانية. وفي واقع الأمر تشكل هذه المعضلات اختباراً قوياً وحاسماً لهذه الاعتبارات. ومن استقراء الإشكاليات التي تواجهها الدول التي تمثل مسرحاً لضربات جائحة كورونا يمكن استخلاص أهم هذه المعضلات أو الإشكاليات الأخلاقية، التي نوردها فيما يلي:
1. المفاضلة بين حماية صحة وأرواح الناس وبين تشغيل قطاعات الاقتصاد والمجتمع لحماية معيشتهم. تزداد وطأة وصعوبة الاختيار هنا في الدول التي تعاني من انتشار الوباء وتزايد عدد الوفيات بسببه، حيث هناك ضرورة لبقاء الناس في بيوتهم وإيقاف الأنشطة الاقتصادية والمجتمعية. ويعني هذا الإيقاف كساد الأعمال وزيادة البطالة وتوقف مصادر الدخل. وهكذا معضلة الاختيار بين اتقاء الموت من المرض وبين تجنب الموت جوعاً. وتزداد وطأة المعضلة عندما لا يملك المجتمع فوائض وأرصدة تمكنه من الجمع بين البديلين، وحتى بافتراض أن الوباء مؤقت ولن يبقى إلا لشهور قليلة.
2. صعوبة التوفيق بين حماية صحة وأرواح المرضى بالكورونا وحماية والحفاظ على صحة وحياة أفراد الرعاية الصحية. وقد برزت صعوبة هذه الإشكالية في الدول التي لا تملك التجهيزات والاستعدادات اللازمة لمواجهة الوباء، بصرف النظر عن تقدمها الاقتصادي وقوتها التكنولوجية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ففي الولايات المتحدة أدى نقص هذه التجهيزات والمواد الوقائية إلى صعوبة قيام مؤسسات الرعاية الصحية بكامل دورها، فضلاً عن تعريض أطقم الرعاية الصحية من أطباء وممرضين لمخاطر الإصابة خاصة أنهم أكثر عرضة لهذا عن بقية شرائح المجتمع. وتعتبر مهن خط الدفاع الأول في ظروف الكوارث والأزمات أكثر عرضة للمخاطر عن المهن الأخرى. ومثال هذه الفئات أفراد الجيش في حالات الحروب، وأفراد الشرطة في حالات اضطراب الأمن، وأطقم إطفاء الحرائق في حالات حدوثها، وأطقم الأطباء والممرضين في حالات الأوبئة والأمراض المعدية. وتقع المعضلة عندما لا تتوفر المستلزمات والاستعدادات اللازمة لقيام هذه الفئات بأدوارها، وتوفير الحماية والمتطلبات اللازمة لمواجهتها للمخاطر المرتبطة بهذه الأدوار.
3. المفاضلة في الأزمة بين دعم مشروعات القطاع الخاص لحمايتها من الانهيار وبين دعم العاطلين الذين ولدتهم الأزمة. تبرز هذه الإشكالية بصورة أشد عندما يتسع عدد المشروعات التي تتهددها الأزمة وفي نفس الوقت يتزايد عدد العاطلين بسبب هذه الأزمة. فمن جانب يمثل دعم المشروعات وسيلة لمنعها من الانهيار وباعتبارها الآلية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي. وفي جانب آخر فإن ظروف البطالة القهرية بسبب الوباءـ تتطلب تنشيط الطلب من خلال دعم دخل العاطلين أو استيعابهم في مشروعات عامة فضلاً عن الحفاظ عليهم كقوة بشرية تحتاجها المشروعات والاقتصاد عند عودة التشغيل بعد انتهاء الأزمة. وتبرز الإشكالية عندما لا تكفي موارد الدولة للوفاء الفعال بالاعتبارين وخاصة عندما يطول أمد الأزمة. هذا ويكمن انحياز مستتر في النظم الرأسمالية لأصحاب المشروعات، يظهر في الحجم النسبي للدعم الموجه لها بالمقارنة بدعم العاطلين.
4. إشكالية الإجراءات الاحترازية ضد الوباء والمقيدة للحريات مقابل الحفاظ على الحريات الدستورية. فالإجراءات الاحترازية المتمثلة في حظر التجول والتجمعات وإغلاق قطاع واسع من المشروعات والمؤسسات وإغلاق الحدود تمثل إجراءات استثنائية مقيدة للحريات التي نصت عليها الدساتير الديمقراطية. وبقدر ما يتسع مجال وأمد هذه الإجراءات بقدر ما تعتبرها قطاعات متزايدة من المجتمع تعدياً على حريات أساسية. وتزداد وطأة هذه الإشكالية في المجتمعات التي تكون فيها الحريات الفردية والشخصية عنصراً هاماً في ثقافتها ونظمها المجتمعية.
5. المفاضلة بين حماية المجتمع من الجائحة وبين تقديم العون لدول أخرى أو دعم مؤسسات دولية معنية. وتزداد هذه الإشكالية وطأة في الدول التي ضربتها الجائحة بشدة، فصرفتها عن دورها الإقليمي أو الدولي في تقديم العون لدول أخرى في حاجة له، أو دورها في مساندة المؤسسات الدولية المعنية على القيام بدورها في مواجهة الجائحة. وقد برزت هذه الإشكالية مثلاً في موقف ألمانيا السلبي من الدعم الذي احتاجته إيطاليا من الاتحاد الأوروبي في ذروة الجائحة في إيطاليا. كما برزت أيضاً في انكفاء إدارة ترامب على الأوضاع الداخلية المتدهورة بسبب الجائحة وتعليق التمويل لأهم مؤسسة دولية مختصة بهذه الأزمات وهي منظمة الصحة العالمية. هذا في الوقت الذي دعت فيه بريطانيا مؤخراً إلى استضافة مؤتمر دولي لبحث الأمصال الممكن تطويرها في هذا الصدد، رغم أنها لا زالت تحت وطأة هذه الجائحة وتعاني من آثارها الداخلية، لكن لم يصرفها هذا عن مد يد التعاون الدولي.
6. تحقيق السبق في اكتشاف الأمصال الوقائية والعلاجية لتعظيم المكاسب الاقتصادية مقابل السعي لذلك لتوفيرها بيسر لمن يحتاجها في العالم. وهناك سعى كثيف يجري الآن في مختلف المختبرات ومراكز الأبحاث في العالم لاكتشاف المصل الجديد. فإذا طبق على المصل الجديد القواعد المعمول بها للملكية الفكرية في النظام الرأسمالي، ففي هذا وبال على المجتمعات والطبقات الفقيرة، لأنه سيخرج عن قدراتها الاقتصادية. وإذا استحوذت عليه الحكومة فهل ستتيحه للدول والطبقات المشار إليها بتكلفة رمزية؟ وفي الوقت الراهن لا توجد آلية للتضامن الدولي في أمور لها جوانب صحية إنسانية وتجارية معاً مثل الكارثة الراهنة.
7. المكاشفة بالحقائق المتعلقة بالجائحة مقابل حماية الأمن والاستقرار النفسي للمجتمع. فقد اختارت بعض الدول مسلكاً غير شفاف فيما يتعلق بالإصابات والوفيات والتوابع الأخرى للجائحة، ظناً منها أن هذا يحفظ الأمن والاستقرار النفسي للمجتمع ويحفظ صورة الدولة داخلياً وخارجياً بشأن قدرتها في التعامل مع الكارثة. وقد أدى هذا إلي عكس المطلوب عندما تفجرت تداعيات الجائحة عالمياً. وكان المثال لهذا ما قامت به الصين تجاه الإصابات وحالات الوفاة في إقليم ووهان. مقابل هذا منهج المكاشفة بالحقائق حول الجائحة، رغم أن هذه الشفافية يمكن ان تكون كاشفة في نفس الوقت عن قصور في الأنظمة الصحية والاقتصادية لمواجهة الكارثة.
8. حماية المجتمع بصفة عامة دون تمييز، مقابل توجيه الحماية بدرجة أكبر للطبقات والفئات الأكثر هشاشة واحتياجاً. وقد اختارت أغلب الدول أن توفر الحماية من الجائحة وآثارها دون تمييز. هذا رغم أن الأكثر عرضة والأكثر هشاشة في ظروفهم الصحية والاقتصادية والمعيشية هي الطبقات الفقيرة والأقليات المهمشة. وتجد الدولة أنها أمام اختيار صعب لأن الأصل أنها تتعامل مع مواطنيها جميعهم دون تمييز. هذا رغم أن أنظمتها الاقتصادية والاجتماعية تنتج هذه الفوارق في القدرة على مواجهة التوابع الصحية والاقتصادية للجائحة. وتجد شريحة كبيرة من المواطنين في أغلب الدول الرأسمالية التي لا تتضمن نظاما شاملا وعادلا للتأمين الصحي أنهم عاجزون عتحمل أعباء الرعاية الصحية لكارثة مثل هذه.
9. إعادة النظر في المنظومات المجتمعية، مقابل العودة لذات النظم والسياسات السابقة للأزمة. كشفت الجائحة عن اختلالات عميقة في لنظام الصحي والنظام الاقتصادي والآليات المؤسسية لمواجهة الكوارث والأزمات. لكن هذه الأنظمة والآليات هي محصلة لموازين القوى ولطبيعة النظام المجتمعي والمؤسسات المنبثقة منه سواء في الجانب الاقتصادي أو الصحي أو أي مجال آخر لتعاملات المجتمع وأنشطته. ومن الظاهر أن طبيعة النظام الرأسمالي وطبيعة النظام السياسي يشكلان محددات حاسمة للكثير من الاختلالات التي كشفت عنها جائحة كورونا. فهذه الكارثة أظهرت قصور نظم الرعاية الصحية وقصور مظلة الأمان الاجتماعي للعاملين في كل القطاعات، وعجز وقصور السياسات الاقتصادية المؤسسية الموجهة للفئات الضعيفة الأكثر هشاشة مثل الفقراء والعاطلين والمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والمشتغلين في الاقتصاد غير الرسمي. وتمثل الدعوة لتشغيل عجلة الاقتصاد بعد الجائحة بالعودة إلى ما كان عليه الحال من نظم وسياسات وآليات تحكمها موازين قوى مختلة وغير عادلة البديل المرجح في أغلب الدول. هذا لأن الجائحة لم يصل مداها بعد إلى انهيار هذه الأنظمة تحت وطأة الاختلالات الكامنة التي كشفت عنها الجائحة. البديل العكسي لهذا أن تنشط قوى الإصلاح مدعومة فكريا من جماعات الفكر والرأي المستنيرة، لتدعوا وتسعى لتحقيق تحول حميد في النظام الاقتصادي والسياسي يقلص الاختلالات ويعيد التوازن إلى موازين القوى لتكون أكثر تمثيلاً لشرائح المجتمع وفئاته وأكثر عدالة في هذا الخصوص.
10.التوظيف السياسي للأزمة مقابل التوجه بالمصالح المجتمعية والإنسانية. يختلف الحراك الذي ولدته الجائحة باختلاف ظروف وأوضاع الدول. وقد ولدت الأزمة نزعات لتحقيق مكاسب سياسية لتيارات بعينها في بعض الدول، استناداً إلى قصور الجماعة الحاكمة في معالجة الأزمة أو توابعها. وفي الولايات المتحدة مثلاً، ولأن هذا العام عام انتخابي للرئيس فإن كلاً من ترامب (باعتباره متطلعاً إلى مدة رئاسية جديدة) والقوى المعارضة له، دخلاً في معركة حامية الوطيس موضوعها الرئيسي هو جائحة كورونا. وأصبح ترصد كل طرف للآخر يملأ الصحافة والإعلام وقنوات الرأي. ورغم أن هذا الحراك يشكل قوى ضغط لتحسين القرارات والسياسات في مواجهة الكارثة، إلا أن الأمر الطبيعي (الغائب نسبياً في أغلب الدول) هو توحد القوى في مواجهة الكارثة. وقد أظهرت جائحة كورونا جوانب القصور في السمات الأخلاقية لبعض زعماء العالم، كما أظهرت أيضاً السمو الأخلاقي للبعض الآخر الذي اختار الانحياز إلى التضامن القومي والتوجه بالمصالح المجتمعية في مواجهة الأزمة.
التركيز على الجوانب الآنية الراهنة للأزمة مقابل إحداث رافعة ثقافية إنسانية وأخلاقية في المجتمع وعلى مستوى العالم. عادة ما تتجه جهود التصدي للأزمات إلى إيجاد حلول وعلاجات آنية، دون معالجة جوانب الخلل في المنظمة المجتمعية التي تنتج الأزمة نتائجها من خلالها. ويصدق هذا على جائحة كورونا التي ولدت آثاراً اقتصادية واجتماعية وخيمة نتيجة لعيوب في طبيعة النظام الاقتصادي المعاصر وفي السياسات والمؤسسات المنبثقة منه. ولا ينتظر أن تبادر القوى المهيمنة والمنتفعة من النظام حتى في ذروة الأزمة بتغييرات تعالج العيوب الأساسية لأنها ستتضمن تعديلاً في موازين القوى وأنصبة المنافع ولأنها ستكون في غير صالحها. هذا رغم أن من يتحمل العبء الأكبر للأزمات هم القاعدة المجتمعية الأوسع المتمثلة في العاملين بأجر والطبقات الفقيرة والفئات المهمشة. ويقع عبء المناداة بالإصلاح الجذري لعورات النظام على النخب الفكرية ذات البصيرة وغير المنحازة للنظام القائم. وهذه أيضاً إشكالية أخلاقية لأنها تتعلق بكيفية التوفيق بين الحلول الآنية والحلول الجذرية أخذاً في الاعتبار المصالح المجتمعية الأشمل وفي المدى الأبعد. وقد بين تاريخ الأزمات الاقتصادية العالمية أن عمق الآثار وطول فترتها يعملان على إدخال تغييرات أساسية وطويلة الأجل في السياسات الاقتصادية. لكن حدود هذه التغييرات بقي محصوراً في نطاق أركان النظام الرأسمالي ولم يغير من طبيعته. لكن كارثة كورونا تبدو أعنف في عمقها وآثارها، وستقود إلى تغييرات عميقة في طبيعة النظم المجتمعية شاملة النظام الاقتصادي، وستتضمن إعادة الاعتبار للعنصر الإنساني وتحقيق رفاهيته والاستثمار فيه، وضبط موازين القوى وتحقيق العدالة، وتقليص أنشطة التربح والسعي للريع والمضاربات والفساد، والتضمين والشمول السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والحفاظ على موارد الطبيعة وحماية البيئة.