الفراسة علم أم فن أم خرافة؟!
تجرى كلمة الفراسة بفتح الفاء، وصحتها بكسر الفاء، على كثير من الألسنة، فيوصف الأريب الذكى بأنه صاحب فراسة، وفى المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية أن «الفراسة» بكسر الفاء، هى إدراك باطن الأمر بالظن الصائب. ويقال إن فلاناً «فارس» بالأمر. أى صار ذا رأى وعلم بالأمور. فهو فارس بالأمر: أى عالم بصير.
وتفرَّس تقال بمعنى التظاهر بالفروسية، أى الادعاء بها وهو ليس بفارس. وبالنسبة للشىء: نَظَر وتثبَّت، ويقال: تَفَرَّسَ فيه الخير: أى رأى فيه مخايل الخير. ويقال «الأفرس» أى أفرس بالأمور: أى أبْصَرَ وعَرَف. ويطلق لفظ الفارس أيضاً على «الحاذق» فى ممارسة الأشياء. و«الفراسة» بكسر الفاء: المهارة فى تعرف بواطن الأمور من ظواهرها. وفى الحديث «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله». والرأى المبنى على التفرُّس، يقال: فِرَاستى فى فلان الصلاح.
والفراسة عند العرب القدماء، علم من العلوم الطبيعية تُعرف به أخلاق الناس الباطنة من النظر إلى أحوالهم الظاهرة كالألوان والأشكال والأعضاء، أو هى الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن.. وفى قاموس المورد أن كلمة «Physiognomy» تعنى بالإنجليزية «علم الفراسة».. وتشير إلى ملامح الوجه أو أساريره باعتبارها دليلاً على المزاج والخلق، بمعنى أن للمظهر الخارجى صفة باطنية متجلية خارجياً وتكشف عن هذا الباطن. وفى قاموس أكسفورد أن الكلمة تشير فى الإنجليزية إلى قسمات الوجه أو ملامحه كدليل على الشخصية. ونفهم من المعاجم العربية والإنجليزية أن «الفراسة» قديمة ومتداولة فى الشرق والغرب، ويقال إن هوميروس كتب شيئاً منها فى علم الكف، ولكنها لم تدوَّن وتُعتبر علماً مستقلاً لدى الإغريق قبل ما كتبه أرسطو عنها فى القرن الرابع قبل الميلاد، فذكر فى الإنسان علامات الملامح والألوان وأشكال الشعر والأعضاء والقامة والصوت، استدل منها على صفاته من ذكاء أو غباوة أو حذق أو بلادة.
وألف الراحل جورجى زيدان، مؤسس دار الهلال، وصاحب المؤلفات الكثيرة المتنوعة فى العربية، كتاباً عن الفراسة، ذكر فيه أن العرب كانوا فى الجاهلية يعتقدون أشياء تُعد من قبيل الفراسة «كالقيافة» التى تستدل ببشرات الناس وجلودهم وهيئات أعضائهم وأقدامهم على أنسابهم، و«الريافة» وهى معرفة حال الماء فى باطن الأرض بشم رائحة ترابها، و«العيافة» وهى تتبع آثار الأقدام والأخفاف والحوافر والاستدلال منها على شكل ووزن وحال صاحبها وما قد يحمله، و«الاختلاج» وهو الاستدلال على ما سيقع للإنسان مـن اختلاج أعضائه.
وتعددت الكتابات فى الفراسة بعد الإسلام، سواء ضمن كتب الطب والحكمة كالرازى وابن سينا وابن رشد وابن العربى، أم فى كتب مستقلة كالسياسة فى علم الفراسة لشمس الدين محمد بن أبى طالب الأنصارى المتوفى 737 هـ، وطُبع فى مصر سنة 1882م، أو مخطوطة «البهجة الأنسية فى الفراسة الإنسانية» لزين العابدين محمد العمرى المرصفى، و«مختصر علم الفراسة لأجل السياسة»، ورسالة «فى الفراسة والرمل»، وأخرى فى «علم الفراسة لأجل السياسة». فضلاً عن إشارات فى العقد الفريد لابن عبدربه وحياة الحيوان للجاحظ وكشف الظنون لحاجى خليفة.
وانتشرت الفراسة فى العصور المظلمة، ودخلت فيها خطوط الكف والجبين للاستدلال على المستقبل، واختلطت بالنجامة والسحر، فصارت من الخرافات. ثم عادت الفراسة فلبست ثوباً جديداً مع فجر التمدن الحديث، وظهر فى عام 1778 كتاب للعالم الباحث الألمانى الشهير جون كسبارلافاتر، وبنى بحوثه على الفيسيولوجيا والتشريح ونواميس الأخلاق، ولم يكد يظهر حتى تُرجم إلى كثير من لغات العالم، ومع ذلك فإنه لا يخلو من كثير من المغالطات والأوهام، استدركها بعده باحثون منهم صموئيل ولس فى كتابه المنشور بنيويورك سنة 1886 فى نحو 800 صفحة وألف رسم.
وقد قرأت كتاب جورجى زيدان الذى قسمه إلى سبعة فصول، ليبحث بعد المقدمات: هل الفراسة علم صحيح، وهل تصدق دائماً، أم أنها قريحة خاصة، وما حكم ووزن فراسة الأعضاء بأنواعها، وفراسة الأيدى والأقدام، وفراسة الخطوط والأخلاق، ثم فراسة المشى والإشارات والأزياء؟ وهل توجد فراسة للأمم تصنف الشعوب طبقاً لاستدلالات مقبولة، وما هى خلاصة أهم علوم الفراسة، وهو علم الفرينولوجيا أى فراسة الرأس، وهـل صحيح أنه توجد فى أشكال الرءوس وصفاتها ما يدل على أخلاق الناس وقواهم؟، وما هى فراسة المهن والصناعات، وما يمكن الاستدلال به فى أحوال رجال السياسة والمصورين والشعراء والموسيقيين والفلاسفة ورجال الدين والمخترعين والمكتشفين والمصارعين والجراحين والخطباء والمحامين.
وعلى عراضة الجهود التى بُذلت فى دراسة الفراسة والتعريف بها، فى كتب القدماء والمحدثين، ومنها كتاب جورجى زيدان: «علم الفراسة الحديث»، وكتاب الدكتور إحسان حقى: «علم الفراسة» (أسرار الخلقة وإبداعها) إلا أن النظريات الحديثة جعلت تُدلى بكثير من التحفظات على ما شاع بشأن الفراسة وترى أن السمة المحددة للشخصية لا تنحصر فى منطقة واحدة بعينها فى الدماغ مثلاً، فالأجزاء المختلفة من الدماغ لها وظائف مختلفة، لكن الأجزاء تتفاعل بطريقة أكثر تعقيداً مما أدركه ممارسو فراسة الدماغ. ومع ذلك فإن هذه الاعتراضات تقر بأن فراسة الدماغ هى التى مهدت الطريق للدراسة العلمية للشخصية، وبالتالى إلى علم النفس الحديث.
ظنى أن الذى لا يقع عليه خلاف، أن الفراسة قـريحة خاصة، أو هى ملكة طبيعية يمتاز بها أناس دون آخرين، وهناك من شهدت لهم الممارسة بفراسة غير منكورة، مع أنهم ليسوا أصحاب علم، وهناك أصحاب علم لا ملكة ولا فراسة لديهم، لأن الفراسة فى النهاية ملكـة وفن، وهى حصاد ملاحظة وذكاء وخاطر وبديهة، وهى ملكات تتفاوت من شخص لآخر، وشاع أن محمد على باشا وعلى بك الكبير والأمير بشير كانوا أصحاب فراسة بلا علم، وهناك من أنفقوا حيواتهم فى دراسة علم الفراسة، وأمعنوا فى فروعها ما بين فراسة الرأس وفراسة الوجه وفراسة الكف وفراسة المشى وفراسة الخط وغيرها من فروع الفراسة، ومع ذلك لم يُعرف عنهم أو يُشهد لهم بأنهم كانوا أصحاب فراسة فى التعرف على صفات الناس والاستدلال من ظواهرهم على بواطنهم.
نعم. لا تصدق الفراسة دائماً، ولكن الذى لا مراء فيه أن هناك أصحاب فراسة مشهودة وغير منكورة. ولعل الأصوب أن الفراسة علم لا تتأتى مزاولته إلا بملكة الفن، وهو براعة الاستدلال من واقع الملاحظة المتأملة التى لا تقف عند مظهر أو دليل واحد، وإنما توفق بين الأمارات المتعددة لتستخلـص الاستنتاج الصحيح الصائب. وفـى القرآن المجيد: «إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ» (الحجر 75).. والمتوسم هو من يستطيع التوسم والتخـيل والتفرس، وورد فى القرآن فـى التعريف بالمؤمنين: «سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ» (الفتح 29)، وفى الحديث: «اتقوا فراسة المؤمن».. وكان الإمام على بن أبى طالب يقول: «ما أضمر أحد شيئاً إلا ظهر فى فلتات لسانه وصفحات وجهه».. ومن الحكم المأثورة: «عين المرء عنوان قلبه».