الرجل الذى يرقص بعصاه مبتهجاً كلما راح يدفن متبرعاً جزءاً وراء جزء من جسده المتداعى قطعة قطعة فى مدافن البلاد الغريبة ثم لا يستحى أن يسرق من الآخرين أجزاءهم الحية عنوةً واغتصاباً ليضيفها إلى هيكله العظمى، الرئيس السودانى «عمر البشير» يعد أبناء بلده السودان -الذى وزعه فى موائد الرحمن بلاداً للآخرين حتى إنه لن يتبقى له أرضاً ليحكمها ذات مرة- وعدهم بأنه سوف يخطب فيهم قريباً من حلايب وشلاتين باعتبارها من إرث أهله!! شوف ازاى؟ الرجل الذى حصل وحده منفرداً من بين رؤساء العالم أجمع- عقلاءه ومجانينه- على لقب «الرئيس الراقص» على خيبته كلما كانت تهدده قديماً المحكمة الجنائية الدولية، أو كلما انصاع صاغراً لرغبات أمريكا وأوروبا بتفتيت أرض السودان؛ عمقنا الجنوبى ونصفنا القديم، فالنيل يجرى من دمهم لدمنا. الرئيس الراقص صدق الرئيس اﻷهبل، الذى سكن قصر الاتحادية عاماً، بأنه سوف يمنحه حلايب وشلاتين يوم أن كان يحاول بيع مصر قطاعى من منفذ الحارة المزنوقة، لكن «مرسى»، والحق يقال، لم يطمع فى بلاد الآخرين مثل الباشمهندس عمر البشير، «مرسى» المعزول كان كريماً إلى حد التبذير وقنوعاً إلى حد الإيثار: يعطى ولا يأخذ، لم يمهله الله وقتاً لتوزيع شرق البلاد وجنوبها وغربها على موائد الرحمن الإخوانية التى طالت اليمن وليبيا بالفعل، إخوان فى بعض بقى!
لكنك تتساءل عن لغز الرئيس الراقص بعصاه كلما سقطت قطعة من بلده فى معدة الغريب: ما الذى عطل قرار الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية خمس سنوات كاملات بتوقيف «البشير» حتى الآن، مع أن الرجل خرق الحظر وبرطع فى بلاد الله خلق الله دون أن يمسه أحد؟
فى مارس 2009 (لا تنسَ هذا التاريخ وركز معايا) أصدرت المحكمة حكمها السابق الشهير بناء على 7 اتهامات وجرائم، فى 2009 وما قبلها كانت شياطين الغرب يعدون عدتهم ﻹطلاق ما سموه، فيما بعد، بالربيع العربى فى 2011، الربيع الذى أطاح برؤساء دول عربية عدة وقتل شعوبها، لكن ذات الربيع لم يُطح بـ«عمر حسن البشير» مثل «مبارك» و«على عبدالله صالح» و«القذافى» و«بن على» وقبلهم صدام حسين! «البشير» فقط هو من نجا من مهرجان عزل وقتل الرؤساء العرب، هذا ببساطة لأن «عمر حسن البشير» رجل إخوانى! وبما أنه إخوانى فقد تماشى مع الربيع والهوا الإخوانى وراح من سكات وفى هدوء يعمل فى تقسيم بلده وشرذمة شعبه ليبقى هو وعصاه التى يرقص بها مسروراً فوق الدماء والتخوم والعقيدة، وهوّ ده بالضبط معنى الربيع العربى.
خمس سنوات.. ذهبت أيام ووظيفة «أوكامبو»، وجاءت أيام ووظيفة «فاتو بنسودة» كرئيسة جديدة للجنائية الدولية، وأمريكا بجلالة قدرها ومحكمتها الجنائية لا تستطيعان حتى القبض على عصا «البشير» لأنهما ببساطة لا تريدان ذلك، خمس سنوات ولم يدخل الناتو أرض السودان لقصفها وبعثرتها، فالرجل فعل ما أرادوه بدلاً منهم لهذا أبقوا على حياته وبعض ممالكه، وهو الأمر الذى لم توفره الأقدار لـ«القذافى» و«صدام حسين» على سبيل المثال.
بعد المصالحة الفلسطينية بين «فتح وحماس» والتى تعنى أولاً وأخيراً أن مصر أمّنت بوابة حدودها الشرقية تم فتح «نزناز» بوابة حدودنا الجنوبية مع السودان بالحديث من جديد عما وعدهم به المتهم السجين «محمد مرسى» بمنحهم حتة من البلد اسمها حلايب وشلاتين، وانظر مرةً ثانيةً لتوقيت تفجير النزاع -وربما الحرب- الذى تأتى أوامره من فوق على ضفاف المحيط الأطلسى وقبل أن يصبح السيسى رئيساً للبلاد.