اختيارنا هو «الاختيار»

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

عدد الخطايا التى ارتُكِبت فى حق مختلف الفنون تحت ذريعة أسوأ التعابير التى أقحمت عليها «الجمهور عايز كده» لا تحصى.. السوقية والتدنى لم تعكس يوماً رغبة جمهور منذ كانت شوارع مصر تخلو من الناس عند عرض دراما مثل «دموع فى عيون وقحة» و«رأفت الهجان» وغيرهما، حتى حالة الحماس الشعبى الذى استقبل به نبض الشارع فيلم «الممر». أمثلة لا حصر لها عن فشل وهم تسويق أنماط مشوهة لا ترتقى إلى مكانة القوى الناعمة عبر ربطها برغبة المتلقى. على مدى الأعوام الماضية استحوذت تضحيات وبطولات الجيش والشرطة على المساحة الأكبر من اهتمام الشارع، وبالتالى برامج القنوات المختلفة.. واجب وطنى لا جدال عليه. فى المقابل، طال انتظار المشاهد لمشاركة شركات الإنتاج الفنى فى تمجيد هذه البطولات، خصوصاً أن الشئون المعنوية فى وزارتى الدفاع والداخلية لم تتأخر يوماً عن توفير كل التسهيلات وأوجه التعاون المختلفة لهذه النوعية من هذه الأعمال.. بالإضافة إلى توافر أعداد كبيرة من الملفات المعلوماتية عن بطولات تعود إلى مراحل زمنية مختلفة، بالتالى لم يعد مقبولاً تناول السينما والدراما القضايا التى تمس الوعى الوطنى وفق حسابات مادية، إذ لا يكفى تقديم صورة إيجابية لشخصية رجل الأمن، بينما فعلياً داخل السياق الدرامى لا يتجاوز كونه مجرد إطار ضمن عمل لا يخلو من المشاهد المفتعلة أو السوقية، حتى بدت الشخصية مجرد خيط هامشى ضمن سياق الأحداث، وهو ما لا يرقى بالطبع إلى ملاحم البطولات التى جرت وما زالت تجرى فى سيناء.

الاحتفاء الشعبى الكبير بأعمال مثل مسلسل «الاختيار» وقبلها فيلم «الممر» هو أبلغ رسالة من الشارع تحمل رغبة للمزيد من الاعتماد على القوى الناعمة فى إثراء وتغذية الوعى الوطنى، تحديداً أن الإطار المتفق عليه فى الحرب ضد التنظيمات الإرهابية تفرض تضافر الأدوار بين الشق الأمنى والمواجهة الفكرية عبر مختلف قنوات القوى الناعمة. كل التجارب السابقة التى حاولت «عصابة البنا» خلالها الاقتراب من عوالم الإبداع باءت بالفشل الذريع، حيث اقتصر تاريخها على محاولات ركيكة فى الشعر والمسرح لم ترتق إلى احتلال مساحة فى ذاكرة التراث الثقافى، حتى انتهت إلى تزييف رخيص لشرائط فيديو، شراء أسماء أثبتت تجربتها المحدودة فى الفن افتقاد الموهبة، أو أفلام تسجيلية فشلت صياغتها الإنشائية فى جذب المشاهد.

السينما والدراما التى تلمس بصدق قضية الانتماء الوطنى أثبتت عند كل تجربة نجاحاً كبيراً فى شحن روح وطنية نحن فى حاجة للإحساس بها وتأصيلها من خلال القوى الناعمة وقدرتها على التواصل مع الوعى العام مقارنة بالصيغ التقليدية أو المباشرة. هذه المعادلة الإبداعية الرائعة أدخلت مسلسل «الاختيار» قلوب وعقول المشاهدين دون مقدمات.. هكذا ببساطة وصدق وموضوعية. قيمة إبداع «الاختيار» تكمن فى انطلاقه من وقائع بطولات وتضحيات الجيش المصرى إلى آفاق تُثير فى العقل حالة مراجعة فكرية حول المسافة بين الشرف والخِسة.. بين صدق ممارسة القيم الدينية، والمتاجرة الرخيصة بها فى سوق الدم.. بين حسابات الدفاع عن كرامة وطن، وحسابات مراقبة أسعار الدولار وبراميل النفط المهرّبة.. بين التضحية بالحياة لحماية شعب، واستحلال دماء الأبرياء للحفاظ على مكاسب «الجماعة» الشخصية. «الاختيار» هو دعوة إبداع موجهة إلى عقل المشاهد لتقييم المسافة بين مكانة أحمد منسى، الذى أصبح رمزاً للمجد، وهشام عشماوى، كنموذج للخِسة بكل الحواجز العديدة والمعقدة التى تعترض هذه المساحة الفاصلة بينهما.. وللكلمات بقية.