الشيخ محمد رفعت خَشَعَ قلبُهُ فخَشَعَ صَوتُه

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

كتب الشيخ الشعراوى تقديماً لكتاب الأستاذ محمود السعدنى «ألحان السماء»، قال فيه: «الأستاذ السعدنى أهل لأن يجعل اللهُ لدينه حظاً لقلمه، فهنيئاً له حين يتوج رحلته الأدبية بهذا الشرف العالى الذى عاش فيه مع كتاب الله، وبدأه بأول مرحلة فيه، وهى الصوت الذى نطق بعد الأذن التى استمعت، وأشاعت أنغام الجلال فى آذان الخلق جميعاً، فقرَّاء القرآن هم الصدى الحلو من كلام الله، وحسبهم أنهم كانوا جنوداً لكلمة الله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ومنهم استقبل العلماء ما فسروا، وأخذ العلماء عنهم ما اجتهدوا، وأخذ الأدباء منهم ما دبجوا، وجعل كل متكلم فى الدين لا يتكلم إلا بحجة ما أخذ عنهم، فهنيئاً لهذه الكتيبة التى شدت بألحان السماء ولم يكونوا مكررين، لا أداء ولا أصواتاً ولا لحناً، بل لكل واحد منهم نغم يخدم النص». ومن هؤلاء الذين شدوا بأنغام السماء الشيخ محمد رفعت الذى توفى فى مثل هذه الأيام 9/5/1950، والذى اتسمت طريقته بالتجسيد للمعانى الظاهرة، وأى مستمع لا يملك إلا أن يقف خاشعاً متأملاً وهو يستمع للشيخ يتلو: «وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»، أداء ينتقل بالمستمع من قراءة إلى قراءة بغير تكلف، ويحوى مقامات موسيقية مختلفة دون أن يشعرك بالاختلاف، فيحرك المشاعر والأحاسيس، ويزيد الإيمان، ويجلب الخشية، فتتأمل البحر والأرض والفلك والجبال والأقوات، فتسبح بحمد من مهّد وسلك وأنزل وبارك ورزق. والسر فى وصول صوت الشيخ للقلوب أن قلبه خشع فخشع صوته، لذا سمى بسوط عذاب وصوت رحمة، كما كان ممتلئاً تصديقاً وإيماناً وتطبيقاً لما يقرأ، ورحيماً عطوفاً ذا مشاعر جياشة، فحدث أنه زار صديقاً له قبيل موته، فقال له صديقه: من يرعى ابنتى بعد موتى، فتأثر الشيخ بذلك، وفى اليوم التالى والشيخ يقرأ من سورة «الضحى»: «فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ» تذكر الفتاة وانهال دمعه، ثم خصص لها مبلغاً من المال حتى تزوجت. والقرآن أفضى به إلى العزة والزهد لا التسول أو التجارة به، فقيل إنه لما أصيب عام 1943م لم يكن يملك تكاليف العلاج مع صلته بالأمراء والملوك، ومع ذلك اعتذر عن قبول المساعدات قائلاً: «إن قارئ القرآن لا يهان». وكان يحب من مستمعيه الإنصات لا التهليل، فذكر لى الداعية الشيخ المعمر معوض عوض إبراهيم الأزهرى أنه ذهب عام 1936 إلى مسجد فاضل باشا فى شارع بورسعيد ليستمع إلى الشيخ رفعت وهو يقرأ سورة «الكهف» يومئذ، وحرص على أن يجلس من خلفه، وبينه وبين الشيخ ثلاثة صفوف، وارتفع صوت الجمهور بعبارات التقدير للشيخ -رحمه الله- فوقف الشيخ معوض قائلاً: أيها الناس.. إن الشيخ جدير بالتقدير والإكبار، لكن الله يقول: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، فإذا بالشيخ يلتفت إليه ويقول: الله يفتح عليك، يقول الشيخ معوض: وهى عبارة لا أزال أجد حلاوتها وجميل وقعها فى أذنى إلى اليوم. إن الاستماع إلى الكتاب العزيز من القامات العظيمة أمثال محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، والحصرى، والبنا، وآل صديق، وعبدالباسط، والفشنى، وعلى محمود، وندا، والصيفى، والبهتيمى، والسنديونى، وزاهر.. إلخ ليس فقط يحرك القلوب ويلمس أوتارها، ولكن أيضاً فيه إحساس بالانتماء المصرى، والحفاظ على المزاج المصرى الخاص، وهويته فى الاستماع، تلك الهوية التى تعد من مكونات النفسية المصرية الصافية.. سلام الله على الشيخ رفعت وعليهم فى الخالدين.