أسامة الأزهري يكتب : مزمار السماء

كتب: أسامة الأزهري

أسامة الأزهري يكتب : مزمار السماء

أسامة الأزهري يكتب : مزمار السماء

اشتهرت بين أهل القرآن عبارة تلخص لنا معانى كثيرة، كانوا يقولون: (نزل القرآن بمكة، وتُلِى وقُرِئ فى مصر، وكُتِبَ وطُبِع فى تركيا)، وهى عبارة صادقة، تلخص كيفية التناوب والتعاون بين البلدان والأقطار المسلمة فى خدمة القرآن الكريم، حيث برزت فى كل قطر حركة تلقائية من خدمة القرآن الكريم، تميزت بها عن سائر البلدان، رغم ما نهضت به الأمة كلها من وجود الخدمة المتعددة لكتاب الله تعالى، وكان من حظ مصر فى الفترة الماضية أن لمع فيها عدد كبير جداً من نجوم القرآن وأهله الأبرار، ما بين قراء، ومفسرين، ومتقنين لفنون أدائه، وقائمين على خدمة قراءاته، ويكفى أن حقبة واحدة يبرز فيها الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود على البنا، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوى، ويجاورهم فى تفسير القرآن الشيخ محمد متولى الشعراوى، شيخ المفسرين على الإطلاق، لكن يبقى من بين هؤلاء جميعاً نجم متألق، لا يتكرر، وأظن أن لا أحد يقاربه فى تفرده، وفى نمطه الخاص فى تلاوة القرآن على نحو عجيب، تطرب له الأذن، ويحلق معه القلب، ألا وهو الشيخ محمد رفعت، رحمه الله، الذى تتجدد ذكراه اليوم الموافق 9 مايو، حيث إن الشيخ رفعت ولد يوم 9 مايو، سنة 1882م، بحى المغربلين بالقاهرة، ومن العجيب أنه توفى أيضاً يوم 9 مايو، سنة 1950م، فكلما جاء يوم التاسع من مايو فى كل سنة، فإن أهل القرآن تتجدد عندهم ذكرى الشيخ محمد رفعت، وينشط المتابعون له لاستخراج أى جديد هنا أو هناك من تسجيلاته النادرة، الزائدة على ما هو محفوظ فى أرشيف إذاعة القرآن الكريم، لا سيما وقد افتتح، رحمه الله، بث الإذاعة المصرية سنة 1934م، وذلك بعد مشورة أشار عليه بها الإمام الأكبر الشيخ محمد الأحمدى الظواهرى، شيخ الأزهر، فافتتحها بقراءة أوائل سورة الفتح: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)، ولما سمعت الإذاعة البريطانية بى بى سى العربية صوته، أرسلت إليه وطلبت منه تسجيل القرآن، فرفض، حتى استفتى الإمام المراغى فأفتاه بأنه لا حرج فى ذلك، لأن القرآن خطاب الله تعالى للناس جميعاً، فسجل لهم سورة مريم، وقد غاص القرآن فى أعماق الشيخ رفعت فكان رحيماً رقيقاً، ذا مشاعر جياشة، حتى إنه كان يطمئن على فرسه كل يوم ويوصى بإطعامه، وكان، رحمه الله، قد زار صديقاً له قبيل موته، فقال له صديقه: «من يرعى ابنتى هذه بعد موتى؟»!!، فتأثر الشيخ بذلك، وفى اليوم التالى قرأ الشيخ من سورة الضحى، حتى وصل إلى قول الله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)، فتذكر الفتاة، وانهال فى البكاء بحرارة، ثم خصص مبلغاً من المال للفتاة حتى تزوجت، وقد أوتى الشيخ محمد رفعت صوتاً متفرداً، وأداءً بديعاً، ونغمة خاصة به، حفرت فى وجدان الشعب المصرى والأمة الإسلامية، وحركت فى قلوب الناس ذوقاً قرآنياً خاصاً، حتى تحول صوت الشيخ محمد رفعت إلى واحدة من مفردات الثقافة المصرية، التى لها خصوصية ثقافية عالية، لمعت نجومها فى فترة من التاريخ، ثم كتب الله لها الخلود، فلا تموت ولا تمحى من ذاكرة المصريين أبداً بعد ذلك، ولا أدرى السبب فى ارتباط صوت الشيخ رفعت فى وجدان المصريين بشهر رمضان، حتى صار صوت الشيخ رفعت إحدى اللوازم والمكونات التى يتعايش بها المسلمون مع الصيام، وكما يستعدون له بالتراويح، والكنافة والقطايف، وقمر الدين، وقراءة القرآن، وكثرة الصدقة والعطاء، وموائد الرحمن، وكثرة الإهداء للجيران، فإن صوت الشيخ رفعت أحد تلك الاستعدادات التى صارت عند المصريين شعاراً أصيلاً عميق الارتباط برمضان، وأختم هذا المقال بأن الشيخ رفعت هو المدرسة المصرية الأصيلة فى أداء القرآن وتلاوته، ونرجو أن ينشط شباب القراء، والمهتمون، بالاكتشاف والتدريب للشباب الناشئين على معالم هذه المدرسة المصرية العتيقة العريقة وعلى سماتها وخصائصها وفنياتها وطرقها فى فنون الأداء وآدابه، رحم الله الشيخ محمد رفعت رحمة واسعة، ورفع فى الجنة درجته، وأدام على مصر المواهب الكبيرة، والعقول المنيرة.