قيمة الإنسان المصرى!

ما ثمن المواطن المصرى من وجهة نظر الحكومة المصرية سواء كان ذلك فى عهد ما قبل الثورة أو بعدها؟ ظلت قيمة الإنسان بمعنى «النفس والجسد والكرامة الإنسانية» فى بلادنا قيمة متدنية، وكأن التكاثر والزيادة السكانية الهائلة فى البلاد من الممكن أن يبررا المنطق القائل: «إذا مات واحد فهناك ألف يولدون كل يوم». تأملت هذا المعنى وأنا أطالع الخبر القائل: «بدأت وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية بحث الحالة الصحية للمواطن عرفة كامل خليل، الذى أشعل النار فى نفسه احتجاجاً على عدم بحث شكواه التى تقدم بها إلى ديوان المظالم برئاسة الجمهورية». جاء فى الخبر أن الوزارة أرسلت مندوباً لعائلته للاطمئنان على صحة «كامل»، وتقديم مساعدة عاجلة لعائلته بقيمة ألف جنيه، وذلك على سبيل «الدعم المبدئى» كما جاء فى الخبر. وشكراً للوزارة على اهتمامها وسرعة تلبيتها للحالة الإنسانية وأنا على ثقة أن القواعد واللوائح المنظمة للوزارة لا تعطى الوزارة ولا الوزيرة القدرة ولا المرونة اللازمة لتقديم تعويضات أو مساعدات مالية كبرى، وأنا أيضاً على ثقة أن موازنة الوزارة ليست بالحجم الذى يؤهلها لدفع تعويضات أو مساعدات كريمة تليق بالإنسان المصرى. هذه القصة تضاف إلى قيام ثلاثة محافظين بتقديم تعويضات عاجلة لأهالى شهداء معركة رفح تقدر بـ3 آلاف جنيه للشخص الواحد!! ولعل القصة الكلاسيكية الكبرى هى قصة الإعانة والتعويضات التى قدمتها الحكومة لضحايا العبّارة «السلام» فور غرقها، الذى تزامن حدوثه مع فوز الفريق القومى المصرى ببطولة أفريقيا لكرة القدم. المذهل فى تلك الفترة أنه فى ذات الأسبوع منحت الحكومة «عشرة آلاف جنيه» كتعويض عاجل لكل ضحية للعبّارة، بينما قامت بعدها بعدة أيام بمنح كل لاعب فى الفريق القومى مبلغاً يساوى 30 ضعفاً لما حصل عليه الضحية!! الإنسان فى الدول المحترمة أكبر من رقم، وأهم من اسم مكتوب فى بطاقة هوية، وأغلى من أى تعويض مادى أو مقابل نقدى؛ ذلك لأنه «إنسان ومواطن يستحق كل الرعاية والتكريم من الوطن». ما أرخص الإنسان فيك يا مصر، وما أدنى فهم الحكومات المتعاقبة لدورها ومسئوليتها الإنسانية والأخلاقية تجاه مواطنيها. إن منطق الصدقة أو الهبة أو الحسنة أو المساعدة التى تقدمها الدولة للمواطن يجب أن يستبدل به منطق «الحق» و«المسئولية» و«الواجب» الذى تفرضه أصول ومبادئ دولة الرعاية لمواطنيها. إن من يتعامل مع لوائح المساعدات والتعويضات الاجتماعية فى مصر يجب أن يعيد النظر فى أسلوب ومنطق وأرقام هذه التعويضات والمساعدات التى تتسق مع شعور الإنسان بأن قيمته -على الأقل- أغلى مادياً من دراجة أو «توك توك» أو -عفواً- «جحش صغير»! لقد كرَّم الله الإنسان ووضعه فى أعلى المراتب وخصه وحده دون سواه بإعمار الأرض حتى قيام الساعة، أرجو أن نفهم ذلك!