لا لنموذج شمال سوريا فى غرب ليبيا

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

حين قامت روسيا بالتدخل العسكرى المباشر فى سوريا خريف 1915 بطلب من حكومتها لردع الجماعات الإرهابية ولحماية النظام من السقوط المروع والحفاظ على وحدة سوريا الإقليمية، أعجب كثيرون بهذا الموقف الروسى المبدئى من جانب، واعتبار المصالح الروسية التاريخية فى سوريا وفى المشرق العربى من جانب آخر. لكن الحصيلة بعد خمس سنوات من هذا التدخل تبدو متناقضة تماماً مع المبررات التى قيلت. صحيح أدى التدخل الروسى إلى تغييرات على الأرض لصالح النظام السورى فى مناطق كثيرة من البلاد وليس كلها، وأدى أيضاً لتجاوز المطالب الدولية المختلفة بضرورة تغييب الرئيس بشار عن المشهد السورى كشرط ضرورى لحل الأزمة السورية ككل، إلا أن المحصلة الكلية تتضمن ما هو سلبى جداً ومتناقض جداً مع المعلن من المبادئ والدوافع الروسية.

يتضح الأمر جلياً وبدون أى تنظيرات فى قبول روسيا قبولاً مبدئياً وعملياً للدور التركى الاحتلالى لشمال سوريا، والتعامل مع الرئيس أردوغان باعتباره لاعباً أساسياً فى تحديد مصير سوريا ونظامها ووحدتها الإقليمية، والتعامل معه باعتباره الضامن والوكيل الحصرى لمنظومة الإرهاب السورية والدولية، وترك الحبل على الغارب للجيش التركى ومخابرات أنقرة وبدون أى اعتراض لحماية الجماعات الإرهابية وتوظيفها فى تهديد أكراد سوريا والاعتداء على مدنهم وقراهم، بل واستخدام هذه الجماعات الإرهابية فى ابتزاز دول أخرى عبر نقلهم إلى مناطق صراعات وأزمات بغرض تعزيز الدور التركى بدون وجه حق. واختصاراً قبلت روسيا أن تحتل تركيا شمال سوريا وسمحت بعمليات التتريك المتسارعة والجارية على قدم وساق فى حوالى 15 فى المائة من مساحة سوريا.

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن هذا التراجع الروسى وعن النموذج الذى قدمه فى سوريا وإلى أى مدى هو نموذج لا يختلف كثيراً عن ألاعيب أردوغان ومراميه الحقيقية فى التوسع غير المشروع.

هذه المقدمة تبدو الآن أكثر من كاشفة لكل ما يتردد عن تدخلات روسية فى الأزمة الليبية. وبداية من الضرورى الاعتراف بأن موسكو لها مصالح فى ليبيا شأن كل البلدان، وأنها تسعى إلى حماية تلك المصالح سواء المستندة إلى إرث تاريخى، أو التى تتطلع إليها نظراً لما تتمتع به ليبيا من موارد نفطية وموقع مهم يؤثر فى الكثير من المعادلات الإقليمية والدولية. لا ننكر مثل هذه الدوافع طالما أنها التزمت بالقانون الدولى وتحقيق مصالح متبادلة ومتوازنة مع الشعب الليبى ومن يمثلونه بحق وليس كوكلاء عن قوى استعمارية أو قوى طامعة فى استغلال ليبيا ومواردها.

التقارير الإعلامية وكذلك تصريحات مسئولين كبار أوروبيين وأمريكيين عن التدخلات الروسية فى الأزمة الليبية كانت مصحوبة دائماً بالانتقادات وبالإدانة لأنها وقفت مع الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير خليفة حفتر وحملته المشروعة ضد الميليشيات التابعة لفايز السراج، وكنا نرى أنها تقارير وتصريحات غير متوازنة، لأنها تساوى بين موقف مبدئى يتمثل فى دعم جيش وطنى يقوم بما عليه من واجبات لشعبه وبلده، وموقف آخر يدعم الإرهاب ورهن مصير البلاد بيد قوى متطرفة لا يمكن الوثوق فى وطنيتها. ومع التدخل التركى المباشر ونقل آلاف الإرهابيين من شمال سوريا لدعم حكومة السراج وميليشياتها لفك الحصار عن طرابلس، لم نجد لموسكو أى موقف رافض لمثل هذا السلوك التركى، أو يعترض عليه أو يمارس ضغوطاً على أنقرة لوقف عمليات توزيع الإرهابيين على مساحات ودول مختلفة، بدلاً من الالتزام المتفق عليه سابقاً بين الرئيسين بوتين وأردوغان بنزع سلاح هؤلاء ومحاسبتهم على جرائمهم المثبتة والمعروفة للكافة، وكأن السلوك التركى كان محلاً للقبول الروسى لأنه يخفف الضغط على القوات الروسية فى شمال سوريا، ويوقف مبررات خوض معركة كبرى لتحرير إدلب من الإرهابيين، كما هو معلن سابقاً.

لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فوجود الإرهابيين والاحتلال التركى فى غرب ليبيا وعمليات التوسع والتمدد العسكرى المفضوح من غرب ليبيا إلى شرقها والإصرار على السيطرة على مناطق النفط فى سرت على بعد 450 كم من طرابلس وفى الجفرة جنوب البلاد، لم يهدد مصالح حلفاء روسيا فى ليبيا فقط، بل مصالح ودور روسيا ذاته فى عموم الشرق الأوسط، ويكشف حدود مساندتها لهؤلاء الحلفاء. ومرة أخرى تتحدث تقارير ومعلومات ليبية موثوقة عن ضغوط مارستها موسكو على الجيش الوطنى للانسحاب من المواقع فى طرابلس والمواقع القريبة منها، وترك ميليشيات الإرهاب تعيد التمكن من كامل العاصمة طرابلس وإخلاء ترهونة وقاعدة الوطية جنوب غرب البلاد لصالح التمدد والاحتلال التركى.

انسحاب الجيش الوطنى الليبى وتعزيز مواقعه فى وسط البلاد وشرقها، وإعادة تقييم الموقف العسكرى والسياسى، صاحبته مبادرات سياسية، أبرزها المبادرة الليبية التى توصل إليها رئيس البرلمان الليبى السيد عقيلة صالح والمشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطنى، برعاية مصر والرئيس السيسى والتى أطلقت فى السابع من الشهر الجارى والمستندة إلى مقررات مؤتمر برلين التى أيدتها دول العالم والأمم المتحدة، بهدف تعزيز فرص الحل السلمى ومنع مزيد من إراقة الدماء وإفساح المجال لإخلاء ليبيا من العناصر الإرهابية وبسط سيادة الدولة على أراضيها، والأهم منع تكرار نموذج الشمال السورى فى غرب ليبيا، ولكن يبدو أن روسيا وإن أيدت دبلوماسياً العودة إلى الحلول السلمية وأبدت ترحيباً أولياً بالمبادرة، إلا أن مؤشرات الحركة الفعلية ترجح الميل الروسى إلى التعامل مع تركيا بالطريقة ذاتها التى جرت فى سوريا، حيث قبول الأمر الواقع، والتعامل مع أردوغان كوكيل وضامن لميليشيات السراج، وتقاسم النفوذ وضبط المصالح المشتركة، والتخلى النسبى عن الحلفاء رغم الإيحاء بأنهم ما زالوا فى قلب موسكو وعقلها.

من حق كل الذين يرون فى موسكو قوة دولية ذات شأن فى العلاقات الدولة أن نطالبها بالوقوف الحازم ضد أطماع «أردوغان» فى ليبيا، وألا تكرر معه نموذج شمال سوريا فى الغرب الليبى، وأن تعزز صمود حلفائها الحقيقيين ضد الإرهاب وجماعاته، وأن تبرز حنكتها فى دعم الاستقرار وعدم التغاضى عن المطلب الأهم وهو القضاء على جماعات الإرهاب والمرتزقة السوريين وإخراجهم من ليبيا مدحورين، وأن تعطينا مثلاً عملياً فى التمسك بمبادئ القانون الدولى وعدم التخلى عن المظلومين، وأن تساند وتدعم عملية «إيرينى» المستندة إلى مقررات قمة برلين التى شارك فيها الرئيس بوتين لحظر نقل الأسلحة التركية والإرهابيين والمرتزقة إلى ليبيا عبر البحر. ودون ذلك ستزيد الشكوك فى مواقف موسكو تجاه ليبيا واستقرارها.