مصر فى ليبيا.. نوايا صادقة وتحرك رشيد
فى كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى أمام القوات المسلحة فى المنطقة الغربية 20 يونيو الجارى، وصف الجيش المصرى بأنه جيش رشيد يحمى ولا يهدد. وهى صفات ثلاث تتكامل مع بعضها، فالرشد هو حسن التقدير، وتلك صفة لصيقة بالعقلاء من القوم وحكمائهم، والتعقل والحكمة صفتان تتجسدان فى القدرة على اتخاذ القرار السليم فى اللحظة المناسبة المحسوبة بدقة شديدة، بلا شطط أو تردد. أما الحماية فتعنى القدرة على صون الأمانة، التى هى مصر وشعبها ومواردها وقيمها، أما عدم التهديد فخلاصتها أن قوة مصر العسكرية ليست قوة غاشمة ظالمة، أو باطشة بلا عقل تضغط على الجوار وما بعده، بل قوة معتدلة فى سكونها، ولكنها جارفة حين تنفذ مهامها المرتبطة بالقرار الرشيد فى اللحظة المناسبة.
هذه المعانى من الواجب التأكيد عليها وبيان مدلولاتها العملية سواء فى الأزمة الليبية أو فى تعثر وفشل مفاوضات سد النهضة الإثيوبى، أو فى غيرهما من الأزمات التى تحيط بنا كالإرهاب وإحياء النزعات الاستعمارية التى عفا عليها الزمن. فحركة الجيوش الرشيدة ليست من أجل الشهرة، أو المغامرة غير المحسوبة، أو لإلهاء الناس عن واقعهم المر فى الداخل من خلال المغامرة فى الخارج، أو ترضية لأهواء الزعيم، كما يحدث فى بلدان غير عربية تعيث فساداً مشهوداً فى سوريا والعراق واليمن ولبنان وليبيا. وبالنسبة لأزمتى ليبيا وتعثر مفاوضات سد النهضة، فإن تزامنهما يجعل منهما تحديات كبرى لصانع القرار المصرى ولكل المؤسسات، ومن حيث مضمون كل منهما، فكلاهما يشتركان فى تهديد حياة المصريين ووجودهم وأمنهم، ولكل منهما توازن قوى يختلف عن الآخر، ومسارات للاحتواء والمواجهة لغرض حماية حقوق المصريين تتقاطع مع توازنات محلية وإقليمية متحركة، ما يجعل لكل ملف سماته الخاصة من حيث التحرك والاتجاه والأدوات، وفى كل منهما تظل حكمة القرار العسكرى هى الأساس فى أى تحرك.
ففى ليبيا ونظراً لتطوراتها العسكرية الخطيرة والقرب الجغرافى والتداخل المجتمعى، ونظراً أيضاً لوجود غير شرعى لقوى عسكرية نظامية تخطط للبقاء طويلاً لتهديد ليبيا وجيرانها، فضلاً عن قوى غير نظامية ثابت إرهابها وعنفها وخروجها عن القانون الدولى والمعايير التى تحكم العلاقات الدولية، وجاءت عبر الحدود لغرض خدمة مشروع استعمارى تركى نظير حفنة من المال، تشكل جميعها عنصر خطر جسيم على أمن ليبيا ومصر، لا سيما إن استطاعت أن تثبت أقدامها بدون مقاومة. وفى المقابل فإن شمول الحركة المصرية لكل الأدوات يظل قاعدة مشروعة لا يمكن الاستغناء عنها.
ولما كانت ليبيا منقسمة على ذاتها بين وطنيين شرفاء يسعون للحفاظ على بلدهم موحداً وذات سيادة، وخالياً من جماعات الإرهابيين وجيوش أجنبية دخلت من أجل الابتزاز والنهب فقط لا غير، وفى الحد الآخر ليبيون رخّصوا أنفسهم وبلدهم ويجتهدون فى وضعه تحت وصاية تركية عثمانية لا علاقة لها بوحدة الأراضى الليبية ولا سيادة شعبها. وهو انقسام يفت فى عضد الدولة الليبية ويجعلها مستباحة فاقدة القدرة على صون البلاد والعباد والخضوع لوصاية خارجية ما جاءت إلى الأراضى الليبية إلا من أجل مد النفوذ ونهب الموارد وإحياء أوهام خلافة عثمانية وإمبراطورية ماتت منذ قرن. ومن ثم، فمن المهم مصرياً وعروبياً أن تقوى شوكة القوى الليبية الوطنية فى مواجهة القوى الغاصبة، من خلال التعاون مع الحلفاء والأشقاء. وهو ما تدركه مصر وحددت له مجالاً واسعاً من الدعم السياسى والدبلوماسى والعسكرى. فمصر وأشقاء عرب آخرون، وليس كلهم بالطبع، يرون الأمور فى ليبيا على حقيقتها ويمثلون السند الحقيقى، دون رغبة فى ابتزاز أو نهب موارد أو استيلاء على أرض أو مال بدون وجه حق. وهنا تتجلى رشادة القول والفعل، ويتجلى معهما التحرك العسكرى الرشيد.
تقف مصر مع الشعب الليبى وقواه الوطنية الحية رغبة فى أن يستعيد سيادته على كامل أراضيه، وأن يتخلص من ميليشيات الإرهاب والخراب، ويحرر كل شبر دنسه جيش تركيا الاستعمارى الجديد. المساندة المصرية جسدتها مساعٍ دبلوماسية صادقة هدفت إلى جمع شمل كل الليبيين وإنهاء الانقسام والتحرك من أجل ليبيا موحدة وذات سيادة. مرة تلو أخرى ناشدت القاهرة كل الأطراف الليبية الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق المطلوب لوقف انزلاق البلاد إلى فوضى يصعب الإمساك بها لاحقاً. كما سعت إلى لفت نظر الداخل الليبى والخارج المهتم بالشأن الليبى على اختلاف دوافعه بأن استمرار الانقسام سيجر معه ويلات من الحروب وفقدان السيادة والكرامة الوطنية. والثابت أن تحركات مصر الدبلوماسية كانت فى أكثر من اتجاه، وجميعاً ركزت على أولوية الحل السلمى، والتجاوب الصادق مع بعثة الأمم المتحدة والقرارات الدولية ومبادرات دول أوروبية رئيسية، والانفتاح على كل مكونات المشهد الليبى عدا الجماعات الإرهابية وميليشيات الإخوان، الذين يفرطون فى كل الحقوق الليبية.
لم تجد المساعى الدبلوماسية والتفاوضية الاستجابة المطلوبة من فصيل ليبى رهن إرادته لأنقرة ورئيسها الموهوم بخلافة مزعومة والمدعوم من حركة الإخوان الإرهابية التى رأت فيه الشخص الأنسب لزرع الفوضى والفتن فى كل الدول العربية دون استثناء. ولم تتوقف تحذيرات مصر بخطورة استدعاء عناصر إرهابية وجيش لا هم له سوى الاستيلاء على أراضى الغير، لكن الساعين إلى استعمار بلدهم لم يعوا أن مغامرتهم لن تكون وبالاً عليهم فقط بل على الإقليم ككل، ما يستدعى الرد المناسب لوضع حد لاستعمار ليبيا وفوضتها.
ما طرحه الرئيس السيسى من خطوط حمراء تبدأ من مدينة سرت شمالاً إلى الجفرة فى الوسط، إن أراد أحد من مسهلى الاستعمار التركى تجاوزها فلن يجد سوى الرد الحازم والقوى، يدخل فى باب إيقاظ الوعى الوطنى لكل الليبيين، وتأكيد المساندة المصرية لكل الوطنيين الشرفاء، وأيضاً الحزم بلا تردد لمن يتصور نفسه قادراً على تقديم ليبيا بأكملها للوصى التركى يستغلها كيفما شاء. سوف تساند مصر كل مسعى ليبى وطنى لتحرير الأرض بالعلم والمشورة والتدريب والسلاح المناسب، والأفكار الصادقة والتحرك الدبلوماسى. ستظل مصر وراء الجيش الوطنى الليبى ورجال القبائل الشرفاء. وإن تطلب الأمر أكثر من ذلك فلن تتردد مصر القادرة وجيشها الرشيد، استناداً إلى مشروعية الدفاع عن النفس، والتحالف مع القوى الوطنية، والتشابك المجتمعى بين الشعبين المصرى والليبى، والدفاع عن عروبة ليبيا ومؤسساتها، واستجابة لنداء مؤسستها البرلمانية المنتخبة والشرعية دون جدال، ودعوات القوى المدنية المعبرة عن كل القبائل الليبية الحرة والرافضة الخضوع إلى فكر إخوانى مريض.