نعمة القهر

د. حسين صبري

د. حسين صبري

كاتب صحفي

نسمع كثيراً عن الناس الذين يحمدون الله عز وجل على نعمة النسيان، رغم أن النسيان عندما يهجم على أدمغتنا يأتي بالمشاكل؛ خاصة عندما نُسئل عن شيء ولا نعرف، وعند الامتحان، وعندما نلتقي فجأة بمن لا نتذكرهم، وعندما نتتحاور في موضوع مهم ولا تسعفنا الذاكرة، لكن مع ذلك كله فللنسيان فوائد، إذ لولاه ما نسينا ما نحب أن ننساه، ولولاه لعشنا كل يوم أحزاننا التي عشناها من قبل، ولولاه لذقنا طعم الفجيعة في موت من فقدناهم كلما خطروا على البال، ولولاه لما ارتحنا من تجاوز تجاربنا الخايبة، ومن فشلنا، ومن إحباطاتنا، ومن اختياراتنا الخطأ.هناك أمرٌ آخر يكره الناس ذكره واسمه وشكله، هو "القهر"، فهل يسري علي القهر ما يسري على النسيان؟، من باب قانون السماء "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم"، نقول: الحمد لله، لأن هناك علاقة وطيدة بين القهر الذي يتعرض له أي شخص وبين قدرته على التعبير عن هذا القهر، حين يتوجه المقهور إلى أن يكتب أو يتكلم أو يرسم أو يتخيل أو حتى يؤلف نكتة، غالباً ما يكون السبب قوة ضاغطة من قهر تعرض له، وكلما كان القهر شديداً غير متوقع؛ كان التعبير أكثر إبداعاً وصدقاً، صحيح هذا الأمر يحتاج إلى درس وبحث علمي وتقصي دقيق واحصاءات وبيانات واستبانات ودراسة حالات وتقييمات ومراجعات، مجالها ليس في هذا المقال السريع، لكن تاريخنا وواقعنا يعطياننا دلالات واضحة على ارتباط القهر بالإبداع والإنتاج والتميز والتغيير.قد يقهرك إنسانٌ مثلك، صاحب سلطة أو جاه أو نفوذ أو له قوة في الباطل، وقد يقهرك إنسان كنت تعتقد لوقت طويل أنه إنسان، وقد يقهرك المكان، أو اللحظة، وقد يقهرك المُتاح بين يديك، وقد تقهرك نفسُك؛ عندما تُملي عليك أمنيات لا تسعها طاقاتك، قد يقهرك من زاده الله عليك بسطة في الجسم أو المال، وقد يقهرك من زادك الله عليه مرتبةً في العلم، لهذا يقول علي بن أبي طالب: ألسنة الحكماء تجود بالعلم وأفواه الجهلاء تفيض بالسفه، فالجهل يقهر مثلما يقهرنا المرض والعجز والفقر والحاجة.قد يقهرك مخلوقٌ ضعيف، كبعوضة، أو كورونا، وقد تقهرك موجة عاتية كتسونامي، وقد يقهرك فكرك، أو قلبك، أو حواسك، وربما تقهرك سيارتك، أو الطريق الذي تستخدمه، كما يمكن أن يقهرك الجَمال مثلما يقهرك القبح والغباوة والتردد، ويقهرك الظلم واللؤم واللئيم، كما يقهرك سيءُ الطبع وسليط اللسان والخبيث، ويقهرك الوصولي والانتهازي وعديم الأصل ناكر المعروف، ويقهرك ضياعُ الفرص وتسرب الثواني من بين أصابعك كقطرات الماء العذب تتبخر في لفح الظهيرة عند العطش.يغلبنا القهر ويتعبنا، يشرد أفكارنا، يبعثر خلايانا، ويصيبنا بالهمِّ والغم، هذا هو وجه القهر الكئيب، لكن له وجهاً آخر، ربما لا يلفتنا، القهر يدفعنا للأمام ويمكنه أن يقصم ظهورنا؛ العاقل من يدفعه القهر ليبدع ويُمتع، والضعيف من يسحقه القهر، القهر نعمةٌ لا يتمناها أحدٌ لأحد إلا حكمنا عليه بأنه مريضُ النفس، لكن إن وقع وصار القهر؛ نستطيع أن نرى نعمته لا أن تسحقنا بطشته، القهر يصفع لكنه ينفع، إنه يُفجر ما في نفوسنا من طاقات خلاقة، إنه يهزّنا لنصحو ونقوى ونتغير.لقد انقهر سقراط من زوجته سليطة اللسان ومن قبح منظره وقِصر قامته وتكالب الأفّاقين عليه؛ فكان قهرُه بداية العقل فلسفياً، وانقهر الجاحظ من قبحه فما افتخرنا بمثله في البلاغة والأدب والحفظ والعلم، والمتنبي قهرته نفسه التواقة إلى السلطة والنبوغ فأبدع شعراً وحكمة لم ينلها أحدٌ مثله فقتله شعره، وانقهر طه مثلما انقهر المعرّي بعد ذهاب بصره، فسار بهما القهر إلى فضاءات الخلد والإبداع والتفرد.بعض الناس حين يأتيه القهر؛ ينفث سماً وشراً ويُفسد، وهناك من يبغتهم القهر فيبدِّعوا، فالفراعنة لما بنوا الأهرامات عبَّروا عن قهر الماء لهم، فارتفعوا في البناء وسط صحراء الرمال الآمنة بعيداً ليأمنوا قهر فيضان النيل، وعندما بنوا معابدهم؛ هداهم قهر ظروفهم التي رزخوا تحت وطأتها؛ أن يستودعوا معابدهم كثيراُ من علومهم وأسرارهم ومجوهراتهم، وهناك من يظلم القهر ويتهمه بالباطل، من ليس لهم من شعارهم إلا الكذب، فلا هم "الأخوان" ولا هم "المسلمون"، ادّعوا إنهم قضوا أكثر من ثمانية عقود قهراً في أقبية الزنازين والتعذيب والظلمة، ليقنعونا أنهم "مقهورون"، وكدنا نصدقهم، لولا أن هدانا الله وفضحهم، فهم "الموتورون"، لو صدقوا لنفعوا ولأخلصوا، إصرارهم غريب على سوء الفهم والقصد والفعل المريب، أكبر مساويهم وتاريخهم كله مساوي؛ أنهم لا يستفيدون، لا من تجاربهم، ولا من تاريخهم، ولا من الآخرين، وهذه صفة كل أحمق، مؤكد أنهم كانوا سبباً في قهر الكثيرين وقهر المخلصين وقهر الدين، إنهم نموذج في قهر غيرهم، فهم القَهَرَةٌ وليسوا المقهورين.في رأيكم – دام فضلكم – أي قهرٍ هو؛ ما دفع كاتب هذه السطور لكتابتها عن القهر؟أستاذ الفلسفة الإسلامية – جامعة زايددولة الإمارات العربية المتحدة