قطار الرهانات الخاسرة

وليد طوغان

وليد طوغان

كاتب صحفي

كانت عجلة التغيرات فى الإقليم سريعة السنوات الماضية.. نجت مصر مما يسمى بالربيع العربى.. الوحيدة التى تماسكت.. الوحيدة التى صمدت.. والبلد الوحيد الذى قام ليبنى.. ويستعيد المكان والمكانة. ليست صدفة أن تشتعل الاتجاهات الأربعة حول مصر فى نفس التوقيت.. ما زالت صدمة 30 يونيو مدوية.. لكن للآن لم يدرك الإسلاميون سقوط الفكرة.. تماماً كما لم يدرك أردوغان سقوط وهم الهيمنة. لا يصنف الليبيون حكومة السراج وطنية.. لذلك سقطت تلك الحكومة داخل ليبيا.. تماماً كما يتهاوى نظام أردوغان فى تركيا. محاولة أردوغان فى ليبيا حلاوة روح.. وتاريخ الإسلاميين سابق فى أنهم عادة ما ينتهون تحت عجلات قطار الرهانات غير المحسوبة. عادة ما يدفع الإسلاميين للسير عكس الاتجاه.. خبرات المائة سنة الأخيرة دليل على أنهم لا يفطنون لخرائط الواقع الحقيقية.. ولا إلى موازين القوى. فى مصر عاندوا التاريخ.. وناطحوا الشارع.. وفى ليبيا المعادلة شبيهة.. الإسلاميون هناك أيضاً يعاندون الجغرافيا والتاريخ وحساب المثلثات.. وكما لو أنهم يناطحون السحاب. لكن دولة 30 يونيو التى أسقطت الإخوان فى مصر.. هى نفسها الدولة التى سوف تدخل إخوان تركيا الرمق الأخير.. فى ليبيا.

خروج أردوغان للمتوسط كان ورطة.. ربما كان مناورة للهرب من اختبارات سقط فيها داخل بلاده.. لكن فى المتوسط كما لو أنه أغلق الباب على أصابعه. اقتصادياً.. انخفض سعر الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها فى تاريخ البلاد.. خسرت العملة أكثر من 19 ضعفاً من قيمتها خلال أقل من 3 سنوات.. وصل التضخم فى الشارع التركى إلى مرحلة لا يصعب فقط إصلاحها.. إنما يصعب شرحها. سياسياً.. تضاعفت أعداد المعارضين لأردوغان.. كل أسرة تركية فيها معارض.. وكل بيت فى أنقرة فيه قتيل رأى.. أو مسجون حبسه النظام. فقد حكام أنقرة صوابهم السنوات الأخيرة.. أنفقت حكومتهم مليارات لقتل الطلاب الغاضبين فى الداخل.. ثم أرسلت للخارج إرهابيين فى مهمات رسمية بسلاح أبيض.. لاصطياد المعارضين. النتيجة فى تركيا الآن رئيس بلا شعبية.. وبلا ظهير سياسى.. ولا نصير اجتماعى. مارس حزب أردوغان الكذب.. واللعب على الحبال. بعد وصوله للرئاسة.. قدم نظامه نصيراً أول للديمقراطية ولحقوق الإنسان.. قبل أن ينقلب بسرعة حتى على شركائه.. ولما امتلأت سجون النساء عن آخرها.. أرسل المعارضات إلى سجون الرجال!

ورطات أردوغان كبيرة.. وأغلبها خطايا. أكبر خطاياه تصدير جماعات الإسلام السياسى للسطو على بلدانهم فيما يسمى بربيع العرب.. دفع أردوغان بالمرتزقة فى سوريا.. وأرسلهم إلى العراق.. نفس المرتزقة الذين أعاد إرسالهم إلى لبيبا!

أشعل الرجل دولاً عربية من الداخل بالمال والسلاح ودعم الإرهاب.. وهو الذى حاول حّرق مصر بموجات أنهتها القاهرة وأسقطت فيها مرتزقة بذقون.. وتجار أوطان بالقميص والبنطلون. لم تستطع أنقرة نسيان ضربة 30 يونيو.. كانت ضربة كسرت أوهام الزعامة ومزقت أفكار الهيمنة.. لم تكن مشكلة القاهرة.. فالذى بنى هو الذى بنى قصوراً فى الهواء. مناورات تركيا فى ليبيا حلاوة روح.. لأن هناك أيضاً.. شواهد قبور.