هل ما حدث لنا كان لا بد أن يحدث؟ مكتوب يعنى؟ ابتلاء؟ حسد؟ أم أنها كانت كبوة الجواد الجامح، الجواد الذى كان يرمح فى طول البلاد وعرضها لسنواتٍ ثلاث قاسيات دون توقف؟ خيلاء كان؟ أم وعكة كانت، تلك التى ألقت بنا فى الهوة المباغتة، ونحن نختال برقصة الخيل -رقصنا- وصهيلنا الذى أسقط نظامين ورئيسين، وقادنا إلى طريق 30 يونيو؟ أعتقد أننا كنا نعيش قدر الصياد البائس الذى اعتاد الجلوس على ضفة النهر بسنارته الفقيرة لساعات وأيام فى انتظار سمكة ولما تعلقت بسنارته، فى لحظة فيضان استثنائية، جنية البحر ارتبك، ولأنه لا يعرف الفرق بين واقعه الفقير وبين أبعد نقطة فى شوارع الحكى والقصص القديمة، فقد ألقى بها فى النهر وجلس من جديد على ضفته يهز فى الماء سنارته من جديد، هل هذا بالضبط شبيه بما حدث لنا فى الليالى الثلاث الماضيات أثناء خروجنا الفقير صوب الانتخابات الرئاسية؟ كثير منا لم يدرك حجم وتوقيت القدر الذى ألقى فى سكتنا بعبدالفتاح السيسى، ربما؟ أم أنها عاداتنا المصرية القديمة فى نزق لعبة إلقاء التراب على الطعام الساخن؟ نحنُ الذين تزوقنا وأكلنا وشبعنا ذل سنوات مبارك ومرسى لم نستطع أن ندرك حتى الآن قيمة عبدالفتاح السيسى؟ رغم الأغنيات والضحكات والرقصات والأشعار وبرامج التليفزيون ومديح المنافقين ومعلقات المشتاقين.. أظننا قد خيبنا رجاء القدر.
ما الذى حدث للشعب القائد والمعلم؟ وكيف صار تلميذاً بليداً هكذا؟ وهل وجب علينا الآن أن نتوقف برهةً فى الزمان والمكان وأن نجلد أنفسنا تلك التى مرقت وانسلت من بين أصابعنا وقبضتنا خلسةً وفى لحظةٍ غير مقصودة؟ هل حن واشتاق بعضنا لسنوات الخمول وسنوات الخدر؟
لا أعلم!! لكن كل الذى أعلمه الآن أننا عشنا أسوأ ثلاثة أيام طوال فى ثلاث سنواتٍ قصار.. ما هذا الذى افتعلناه فى أيام 26، و27، و28 من هذا الشهر؟ عادى يعنى؟ ﻷ.
أم أنه الدرس الإلهى والرسالة الموجهة تحديداً وحصرياً إلى عبدالفتاح السيسى شخصياً وبعلم الوصول، هل يحق لنا أن نفهمها ونناقشها على هذا النحو وقبل أن يفوت الأوان ونعيد استنساخ سنواتنا الماضيات؟
هل ما حدث من سلوك المصريين -شديد الغرابة والغموض وانعدام المسئولية- تجاه الانتخابات الرئاسية كان درساً إلهياً موجهاً لعموم شعب مصر، أم أنه كان درساً إلهياً موجهاً بالأساس تجاه الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى؟ شدة ودن يعنى؟ هل كانت شدة أذن للشعب كى يظل منتبهاً لبلده، أم لعبدالفتاح السيسى كى لا يطغى، ويبغى، ويتجبر، ويتكبر، وينسانا داخل مخبئة الكائن فى أقاصى زوايا «الاتحادية» ومباهج السلاطين؟ أتخيل أنه كان درساً إلهياً لكلينا نحن الاثنين، للشعب والرئيس معاً، للشعب حتى لا يخنع، والرئيس حتى لا يسن أسنانه ويغرزها مثل سابقيه فى لحمنا وعظامنا.
أعرف وأدرك أن «السيسى» ونحن معه صرنا الآن نتلمس مكان الوجع المباغت فى الناحية اليسرى من الصدر، أعرف وأشعر وأدرك وأحس بذلك كله، فلا ضير، ضع يدك على قلبك وأصرخ بالآه وأمسك الألم المعربد فى الجسد، أعرف أن كلينا يحاسب نفسه الآن بقسوة، وأن كلاً منا سيتقبل دروس السماء مهما كانت ثقيلة وأليمة، فمصر تستحق أن تتألم ونفنى من أجلها، لا ضير فى ذلك، ربما يجنبنا الله بذلك محنة الصياد الفقير الذى جلس ذات مرة على ضفة النهر لاصطياد سمكة، فمنحه البحر جنية، فألقى بها فى الماء وسار إلى كوخه، ربما منح الله وقتاً لـ«السيسى» كى يتدبر أمره وأمرنا، ربما.