دروس من هزيمة برشلونة
أن يُهزم فريق فى لعبة كرة القدم فهذا أمر معتاد وطبيعى، أما أن يكون الفريق المهزوم هزيمة نكراء، مشهوراً وبه عدد كبير من اللاعبين الموهوبين وذوى المكانة الخاصة وتاريخه ملىء بالبطولات المحلية والقارية، فالأمر يتطلب وقفة ومراجعة والبحث عن الدروس. المسألة ليست رياضة ومتعة عابرة وحسب، وإنما إدارة وتخطيط وبرامج عمل تحول التخطيط إلى واقع وأموال واستثمارات بالملايين، ويجب أن تحقّق عائداً محترماً. فى هزيمة فريق برشلونة الأخيرة أمام بايرن ميونيخ الألمانى بثمانية أهداف مقابل هدفين الكثير من الدروس المهمة، سواء فى إطار طريقة اللعب والاستعداد للمباراة والحالة النفسية للاعبين وأسلوب المدرّب وكل الأمور الفنية والنفسية المتعلقة بإدارة مباراة مهمة تقود إلى إنجاز قارى تطمح إليه كل الفرق المشاركة.
الأمور الفنية متروكة للزملاء النّقاد الرياضيين، فهم الأقدر والأجدر لتحليل تلك الأمور بحكم التخصص والخبرة. إلى جانب الفنيات هناك قضايا يمكن وصفها بالعامة التى تتداخل مع مجالات السياسة والإدارة والاقتصاد والتنمية بوجه عام. أبرز هذه القضايا ما يتعلق بفكرة النجم الأوحد أو القائد الذى يقود إلى الانتصارات ويحقق المعجزات، وبدونه تتحول الحياة إلى هزائم. فى حالة برشلونة الفريق، يبدو اللاعب ميسى بقدراته الفنية العالية هو محور حركة الفريق، هو رمزه المحبوب فى مقاطعة كتالونيا عامة ومدينة برشلونة خاصة، كما هو محبوب فى ربوع كثيرة من العالم. مهاراته الفنية لا خلاف عليها، قيادته للفريق للفوز على المنافسين هى المحور الذى يدور حوله تفكير المدرب وباقى زملائه. كثيراً ما أحرز الأهداف العجيبة بمهارة فائقة، وحصل بسبب ذلك على جوائز كثيرة محلية وأوروبية، لكنه هو نفسه كقائد لفريق بلاده الوطنى لم يحقّق شيئاً، فلم يحقق معه بطولة العالم فى كرة القدم فى العقد الماضى، ولم يترك له بصمة واضحة كتلك التى حفرها فى مشواره الرياضى مع فريق برشلونة الإسبانى.
فى عالم الإدارة والسياسة تُعد مهارات القيادة الفردية مهمة، ولكنها لا تلغى أبداً دور الزملاء الآخرين والفنيين والتنفيذيين، فالجميع يشكل فريقاً متكاملاً. وكذلك فى عالم الرياضة. والأمر المؤكّد أن لكل مرحلة رجالها، ولكل مرحلة سياقُها العام الذى يفرض التغيير. الأكثر حكمة ورشادة هو الاستعداد الدائم للتغيير وتوفير البدائل وتطعيم الفريق بمستوياته القيادية والمهارية المختلفة بالعناصر الجديدة والشابة التى تحل محل الأكبر بصورة طبيعية ودون ارتجاجات أو هزائم كبرى. فريق ميسى وهزيمته الفاضحة تقول للجميع إن التركيز على اللاعب المهارى الوحيد ليس حلاً دائماً فى كرة القدم، كما فى الحياة. النقاد الرياضيون أشاروا إلى أن نجاح بايرن ميونيخ فى محاصرة ميسى ومنعه من تحركه الدؤوب، وقطع الكرات عنه كانت من بين أسباب فشله الشخصى وفشل الفريق فى منع تلك الهزيمة المذلة. حديث «ميسى» عن الرحيل إلى فريق آخر يساعده فى تحقيق طموح طالما سعى إليه، وهو أن يعتزل بعد الحصول على بطولة كبرى، يشير إلى إدراكه الذاتى بأن فريق برشلونة لم يعُد الفريق المثالى الذى كان عليه قبل عدة سنوات. الزملاء الآخرون بحاجة إلى تجديد دماء، والفكر التدريبى بحاجة إلى ثورة، طريقة الإدارة تتطلب نوعية جديدة من الرجال، الهيكلة الشاملة فى كل شىء هى الحل الوحيد. مجرد إعفاء المدرب قد يلهى الجماهير الغاضبة، ولكنها ليست الطريقة المثالية للعودة إلى البطولات.
ميسى نفسه الغاضب هو جزء من مشكلة برشلونة الكبرى، هو أحد أسباب عدم تجديد الدماء فى صفوف عديدة للفريق. مجاملة مجلس الإدارة له واضحة تماماً، تأثيره فى الكثير من القرارات الخاصة بشراء لاعبين جدد معروفة للكافة، تأثيره أيضاً فى إبعاد عناصر تم التعاقد معها، سواء من اللعب أو دفعها للهرب إلى فرق أخرى تتضمن الكثير من القصص والروايات الموثوقة. حالة اللاعب كوتينهو القادم من ليفربول، والذى كان أساسياً فى الفريق الإنجليزى، إذا به مُهمّش فى الفريق الإسبانى، فَقبِل الانتقال إلى بايرن الألمانى وأثبت أنه لاعب مهارى والتفريط فيه له ثمن. حين صرخ المعلق مرتين على هدفى كوتينهو فى آخر دقيقتين قائلاً إنه يدمر فريقه السابق، وتوجّهت الكاميرا إلى وجه ميسى، أظهر التعليق وتعبيرات وجه ميسى نفسه حالة ندم دفينة، ومطلوب إبرازها للكافة، فتصور أن قتل المواهب أو إبعادها سوف يحمى الوهج الذاتى والتفرّد ليس سوى وهم كبير. الحياة أكبر من الفرد مهما كانت قدراته. الحياة جماعة وتغيير وتغير وتدرّج قبل أى شىء. الاستحواذ على العظمة والتفرّد إلى الأبد هو نوع من سوء التصرّف الذى يقترب إلى مستوى الجنون. فى السياسة نماذج كثيرة أعاذنا الله تعالى منها. أردوغان فى تصرفاته لمواجهة كل من حوله وكل جيرانه وابتزاز أقرانه فى الداخل وفى الخارج، نموذج فجّ فى وهم التفرد والأبدية. كما سقط ميسى فى خياراته سوف يسقط أردوغان وأمثاله لا محالة.
مجلس إدارة برشلونة غاضب يسعى لتجاوز الفضيحة. بعد الهزائم الكبرى يحدث الغضب. أمور تعتادها الشعوب والمجتمعات، حين يتحرك الساسة كثيراً لشغل الفراغ الزمانى والمكانى، ولكن دون وعى بأسباب الهزيمة ودون خطوة إلى الأمام، حينذاك تظل الأزمات على حالها وتتراكم نتائجها إلى أن يحدث الانفجار والفوضى والهلاك. فى بلادنا العربية الكثير من تلك النماذج، لبنان آخرها. فهل سيُراجع مجلس الإدارة سياساته الخاطئة؟ وهل سيعترف بمسئوليته عن تلك الهزيمة؟ وهل سيُعد رؤية متكاملة لإصلاح الفريق وتجديد الدماء والبحث عن مدرب كفؤ يؤمن بأن لعبة كرة القدم لعبة جماعية وليست لعبة فردية يتحكم فيها نجم أوحد؟ هذه هى الأسئلة الحقيقية التى ستُعبر مخرجاتها العملية المنتظرة عن مدى إدراك الأزمة ومسبّباتها الرئيسية، وإلى أى مدى هناك إرادة حقيقية لاستعادة الريادة مرة أخرى.
المسألة برمتها ليست هزيمة فاضحة لفريق كبير، بل درس فى الحياة، فالتطوير والتغيير والتخطيط والعمل الجماعى المتناغم ووضوح الرؤية والابتعاد عن المجاملات وإتاحة الفرص لمواهب جديدة، هى خلطة النجاح فى كرة القدم، كما فى الحياة للأفراد والشعوب على السواء.
كما فى حالة برشلونة المقاطعة التى سعت فى العامين الماضيين نتيجة تغلب رموز سياسية شعبوية على مؤسساتها الذاتية إلى الاستقلال عن الدولة الإسبانية، فكانت النتيجة أن استنفرت الدولة الإسبانية مؤسساتها القضائية والتشريعية لمنع تفكك البلاد، كما وقفت أوروبا جميعها ضد الفكرة والمبدأ، وانتهى الأمر إلى سجن الرموز السياسية التى أثارت مشاعر مواطنى كتالونيا رغبة فى الانفصال.