تجليات انتصار أكتوبر
استطاعت القوات المسلحة المصرية فى السادس من أكتوبر تحقيق أعظم انتصار فى العصر الحديث، حيث وجهت ضربة قاصمة للجيش الإسرائيلى، واستطاع الجيش المصرى اختراق خط بارليف المنيع، والعبور شرق القناة، وأمام الخسارة الساحقة والهزيمة المنكرة للجيش الإسرائيلى أعلن موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلى، أن المعبد الثالث سينهار، ويقصد بالمعبد الثالث الكيان الإسرائيلى، وأمرت رئيسة الوزراء، جولدا مائير بوضع الأسلحة النووية على أهبة الاستعداد، ودعمت أمريكا إسرائيل فى الحرب، وكل ذلك لم يشفع لإسرائيل، ومُنيت بالهزيمة الكبرى، وانهارت نظرية الأمن الإسرائيلى بكل أسسها ومقوماتها، وتقوّضت سمعة الجيش الإسرائيلى الذى كان العالم كله يُردّد أن الجيش الإسرائيلى لا يُقهر.
وكان من أبرز سمات وتجليات حرب أكتوبر ظهور قوة المقاتل العربى، وقدرته على استخدام الأسلحة المعقّدة، بعد أن كانت الصورة المصدرة عنه بخلاف ذلك، ووصف المؤرخ العسكرى البريطانى «إدجار أبولانس» عملية عبور الجيش المصرى وتحطيم خط بارليف بأنها «معجزة عسكرية مكتملة الأركان»، وما زالت معاهد الدراسات الاستراتيجية والمعاهد العسكرية فى العالم تدرس نظريات هذه الحرب والأفكار والمفاهيم العسكرية التى قدّمها الجيش المصرى فيها.
ويروى اللواء سمير فرج -وقد كان أحد المشاركين فى حرب أكتوبر- أن حرب أكتوبر غيّرت المفاهيم العسكرية ومفاهيم التسليح على مستوى العالم، فهى أول حرب تقليدية حديثة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث استخدم الجيشان المصرى والإسرائيلى أحدث الأسلحة، ومن ضمن الدروس المستفادة من حرب أكتوبر هو الدرس الذى علمته القوات البحرية المصرية للعالم يوم إغراق المدمرة إيلات، حيث قرر العالم عدم صناعة البوارج وحاملات الطائرات الكبيرة واتّجهوا لتصنيع القطع البحرية صغيرة الحجم قوية النيران (الفرقاطة).
ودرس آخر علمته قواتنا المسلحة للعالم، وهو أن قوات المشاة يمكن أن تبقى وحيدة أمام المدرعات لمدة تصل إلى 8 ساعات، وكانت قبل حرب أكتوبر لا تصمد أكثر من 4 ساعات، إلا أن وضع أسلحة مضادة للدبابات ساعد على مضاعفة الفترة الزمنية، ومن أهم الدروس المستفادة من حرب أكتوبر أيضاً تغيير الحصار البحرى بعد أن كان لا بد أن يتم عن قُرب، حيث تحول للحصار عن بُعد، حتى لا تكون القوات فى مدى الطيران، ويكفى أنه وأثناء العمليات الحربية استمر ميناء إيلات مغلقاً لمدة 6 أسابيع.
ومحلياً أبان انتصار أكتوبر وكشف عن مقومات الشخصية المصرية، وأعمدتها وأركانها، فطوال فترة حرب السادس من أكتوبر حدث التماسك والالتحام من قواتنا المسلحة على أرض الفيروز، كما حدث التماسك والالتحام من الشعب المصرى، بعيداً عن أرض المعركة، وتمثل هذا الالتحام فى اتجاهين: الأول وقوف الوطن كله صفاً واحداً مع الجيش المصرى العظيم، والثانى: تضافر وتضامن المصريين وعدم استغلال الحدث حتى إن مصر لم تشهد طوال حرب أكتوبر 1973م أى وقائع سرقة أو قتل أو أى جريمة من أى نوع.
تجلّت الشخصية المصرية على أثر حرب أكتوبر فى تعظيم قيمة الانتماء لتراب الوطن، خاصة أن اليوم قامت تيارات متطرفة بصناعة فكر منحرف، فصنعوا صورة مشوّهة عن قضية الوطن، تتركب من صورة معكوسة مثل أن الوطن حفنة تراب لا قيمة لها، وأن حب الوطن انفعال بشرى سخيف، لا بد من مقاومته والبراءة منه، وأن الأوطان حدود جغرافية صنعها الاستعمار فلا نحبها ولا نتعامل معها، وأن الأوطان هى المساكن التى ذمها القرآن.
روح أكتوبر ألهمت شخصية المصرى قوة فى غير تعال، وانتصاراً فى غير افتراء، وقدرة على الصمود ومجاوزة الصعاب.