دهاء السادات وبكاء جولدا مائير

تطولُ الحكايات ولا تنتهي ما بقيت الحياةُ على هذه الأرض، كلما ذُكر النصر الكبير، النصر الباقي في نفس وروحِ كلِ مصري وُلد وعاش وشرب ماء هذا الوطن الأبي، النصر على عدوٍ غاشم، عرف حق المعرفةِ كيف يكونُ المصريُ الداعي أبدًا للسلام، أسدًا جسورًا يلتهم نار البراكين إذا مست جزءًا من وطنه.. إنها حرب أكتوبر التي مهما طال الحديث عنها فلن تكفيها كُتب الدنيا لتحتوي بطولاتها العديدة وحكاياتِها الآسرة، وليس مجازًا بقدرِ ما هو الواقع الأكيد حين يقول راوٍ إن جنودَ مصر العظماء سطروا بدمائهم ملحمةً ستظلُ عنوان الشرف الأول في تاريخ الأوطان، حين لقنوا عدوًا غاشمًا وكيانًا محتلا درسًا سيظل عالقًا في نفوسهم أبد الدهر، كما ستبقى راسخةً ذكرى النصر في نفوس الأجيال المصرية والعربية على السواء، فخرًا ممتدًا ودرسًا باقيًا من دروس التاريخ الملهمة.سبعةٌ وأربعون عامًا، عمرُ انتصارٍ أضاء وجه الأرض بنداءٍ لا يزال يتردد في الجوانح: الله أكبر.. فكانت ولا تزال وستبقى: الله اكبر فوقَ كيدِ المعتدي، حربٌ اجتمعت فيها روح القتال وسبقها الإيمان، فنجح البواسل من جنود الوطن وأبنائه الشرفاء في استرداد أرضهم بكل العزة والكرامة، لتثبت حرب 1973 للعالم أجمع قدرة المصريين وإصرارهم على خوض معارك التحدي في سبيل وطنهم، وتلك البسالة في الأداء والتنفيذ، ويضرب الشعب المصري أروع صورةٍ للبطولة وهو يقف إلى جوار قواته المسلحة داعمًا ومساندا، ولتتحطم الأسطورة الكاذبة الواهية بالجيش الذي لا يقهر، وقد استطاع جيش مصر العظيم عبر التاريخ أن يعبر قناة السويس ويدمر خط الدفاع "الإسرائيلى" الحصين "بارليف"، ففى الوقت الذى يحتفل فيه الجيش الإسرائيلي بعيد الغفران كان الجيش المصري الباسل يقطع قناة السويس ومنه إلى الساتر الترابي الذى تم عمله بطول وارتفاع القناة مانعة للآليات من اجتيازه، حيث كان يحتوى في ثناياه على مستودعات للدبابات والأفراد، وبتكنولوجيا غير حربية وبفكر اللواء مهندس باقي زكى يوسف اعتمد جنودنا مضخات المياه القوية لتجريف خط بارليف.وبذلك أصبح 6 أكتوبر 73 الطامة الكبرى لتل أبيب ومن فيها، فسمعنا بكاء جولدا مائير وانكسار موشي ديان، حتى سارعت أمريكا بمد جسر تسليح جوى "عسكرى" لمساعدة المدللة "إسرائيل" وإنقاذها، حيث كانت الإمدادات العسكرية الأمربكية تتدفق لدعم العدو الإسرائيلي في اليوم التاسع للحرب بمعدّل طائرة كل 15 دقيقة، وتصف مائير الجسر الجوي الأمريكي بقولها: "إن هذا الجسر الجوي لا يمكن تقدير قيمته إنه لم يرفع روحنا المعنوية فقط، ولكنه ساهم في توضيح الموقف الأمريكي أمام الاتحاد السوفيتي وساعدنا كثيراً من الناحية العسكرية، وقد بكيت لأول مرةٍ منذ بداية الحرب عندما علمت أن الطائرات الأمريكية وصلت إلى مطار اللد"، وفى إحدى الوثائق السرية التي أفرج عنها في الذكرى الأربعين لحرب أكتوبر مدحت مائير ذكاء قائد الحرب والسلام الرئيس الراحل محمد أنور السادات مؤكدة أنه كان يتمتع بذكاء نادر تفوق به على العقلية الإسرائيلية وجاء ذلك في شهادتها أمام لجنة أجرانات التى تم تشكيلها لبحث أسباب الإخفاق الإسرائيلى في الحرب.

وبما أن الحرب خدعة فقد طلب الرئيس السادات تسريب معلومات مضللة للموساد أو جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية بشأن مصر على أنها تنوى إجراء مناورات شاملة وليس حربا ستبدأ من 1-7 أكتوبر، وأن الضباط الراغبين في الحج سيبدأ تسجيل أسمائهم منذ 9 أكتوبر 1973، وغيرها من المعلومات التى جعلت إسرائيل تستبعد احتمالات حدوث أى هجوم من الجيش المصري، لكن هيهات أن نبيت ولنا وطنٌ مجروح أو منقوص، وحافظنا على الروح المعنوية التي كانت متيقنة من نصر الله رغم النكسة، واستعدنا الثقة بالنفس والقدرة على التخطيط العلمي السليم، وبقيت مصر واحة العرب الآمنة وخط الدفاع الأول عن الوطن العربي.