رحيل نجم ذهبى
تلك هى المرة الأولى التى أكتب فيها بعد رحيل أبى، خصوصاً أننى منذ تلك اللحظة الموجعة من عمرى وأنا أشعر بأنه لا يوجد شىء مهم.. كل الأشياء والأمور تساوت فى ظنى، أمام ذلك الإحساس بالفقد، والذى يصعب التعامل معه فى كل الأحوال، مهما كنت شديد الإيمان وتعرف تماماً أن تلك هى النهاية المكتوبة.
اليوم أعود لأكتب، والمفارقة أن العودة من خلال الرثاء أيضاً، والحقيقة أننى تردّدت كثيراً كأننى بت أعجز عن كتابة كلمات أرثى بها الأحبة فى هذا العام الثقيل والضنين بالفرح، ولكن مع سماعى خبر رحيل النجم القدير محمود ياسين، 79 عاماً، مرت أمامى صورة لأبى وهو يضحك قائلاً جملته المفضلة، التى كان يقولها ونحن نشاهد أى فيلم رومانسى يُعرض للنجم محمود ياسين «رومانسى أوى الأستاذ محمود.. مش أوى كده يا أستاذ»، وينظر إلينا مبتسماً، كان يعرف أننا كفتيات فى سن المراهقة تأخذنا مثل هذه التفاصيل، لذلك كان يحاول أن يلفت نظرنا بحب أن الحياة ليست بمثل تلك الرومانسية التى نراها على الشاشة، والتى كانت المتنفس الوحيد لنا فى بلدتنا الصغيرة..
تلك الصورة التى قفزت إلى ذهنى وجعلتنى أستدعى وجه أبى الذى أفتقده بشدة، ونجم بحجم محمود ياسين لعب دوراً كبيراً فى تشكيل وجداننا من خلال أعماله الفنية المتنوعة، سواء فى المسرح أو السينما أو الدراما، أو الإذاعة من خلال صوته الرخيم العريض الذى لا تخطئه أذن. هذا الصوت الذى كثيراً ما كان يحملنى معه إلى خيال رحب من خلال الصور الغنائية والأعمال الإذاعية، التى كانت تبث عبر أثير الإذاعات.
محمود ياسين ابن محافظة بورسعيد الباسلة، والذى درس المحاماة، وعمل فيها لفترة إرضاءً لأهله، ولكن عشقه للمسرح، وروح المقاومة بداخله جعلته يتمرد على الطريق المرسوم له ويبحث عما يحب ويعشق خصوصاً بعد أن استقر فى القاهرة، مركز الفنون، وكثيرا ما كان يدور ياسين على المسارح الفنية ليشاهد نجوم هذا العصر، وكثيراً ما كان يرى نفسه مكان البطل الذى يقف على خشبة المسرح، وهو ما تحقق له حيث صار واحداً من أهم النجوم المصريين الذين يقفون على خشبة المسرح القومى، وقدم الكثير من الكلاسيكيات، ومنها حقق حلمه بالانضمام للمسرح القومى الذى قدم عليه وعلى مسارح أخرى عشرات الأعمال المميزة مثل (ليلى والمجنون) و(الخديوى) و(حدث فى أكتوبر) و(عودة الغائب) و(الزيارة انتهت) و(بداية ونهاية) و(البهلوان)، إلى أن شاهده المخرج يوسف شاهين فى أحد الأعمال، وقرر إسناد بطولة فيلم «الأرض» إلى ذلك الوجه الجديد، وفى الوقت نفسه رشّحه المخرج المتميز حسين كمال، والذى سبق وعمل معه فى فيلم «نحن لا نزرع الشوك»، أمام النجمة شادية، ومن بعدها وقع معه فيلم «شىء من الخوف»، فى تلك اللحظة كان النجم الشاب يشعر بأنه امتلك العالم، أمامه فرصتان لتقديم أعمال سينمائية مع اثنين من المخرجين أصحاب المواهب اللافتة فى ذلك الوقت، وهو الأمر الذى أغضب شاهين وقتها، خصوصاً أنه دائماً ما كان يفضل ألا ينشغل ممثلو أفلامه بأعمال أخرى، ورغم محاولات «ياسين» إقناع «شاهين» بأنه يستطيع التوفيق بين العملين، ولكن هذا الأمر كان بمثابة القانون عند شاهين، فأكمل ياسين عمله فى فيلم «شىء من الخوف»، ومنه انطلق كوجه جديد فى السينما المصرية، يتهافت عليه النجمات والمخرجون، حيث قدم ياسين ما يقارب الـ150 فيلماً بين عامى 1968 وحتى 2012 طوال مسيرته الفنية. وقد يكون النجم المصرى الوحيد الذى قدم بطولات سينمائية أمام نجمات السينما المصرية اللاتى ينتمين إلى أجيال مختلفة، ومنهن «شادية، وفاتن حمامة، وسعاد حسنى، ونادية لطفى، وماجدة الصباحى ونجلاء فتحى ويسرا، ونادية الجندى، وصفية العمرى، وعفاف راضى» وغيرهن من النجمات، وأيضاً هو من نجوم السينما المصرية القلائل، الذى كان له نصيب فى الأعمال الأدبية لكبار الكتاب، ومنهم إحسان عبدالقدوس «أنف وثلاث عيون، والخيط الرفيع»، ويوسف السباعى «نحن لا نزرع الشوك»، ويوسف إدريس «قاع المدينة»، ونجيب محفوظ «الحرافيش»، وثروت أباظة «شىء من الخوف»، والتى تم تحويلها إلى أفلام سينمائية، وعمل مع مخرجين ينتمون إلى مدارس إخراجية متباينة، بدءاً من حسين كمال، وهنرى بركات، وحسام الدين مصطفى وغيرهم.
محمود ياسين يستحق وبجدارة لقب النجم الذهبى فى السينما المصرية، نظراً لتنوع مشواره وثرائه على مستوى التجارب التى قدمها، سواء كبطل للأفلام الرومانسية والاجتماعية والحربية، حيث كان واحداً من أهم النجوم المصريين الذين شاركوا فى تجارب مختلفة منها «بدور»، و«الرصاصة لا تزال فى جيبى».
محمود ياسين الذى بدأ مشواره من المسرح منطلقاً ومحلقاً فى السينما، رغم أنه لم يكن بوسامة الأجيال التى سبقته، ومنهم كمال الشناوى وأحمد رمزى، ورشدى أباظة وعامة نجوم الأبيض والأسود، أو الأجيال التى جاءت من بعده، ومنهم نور الشريف وحسين فهمى، ولكنه كان بموهبته قادراً على ملء فراغ تلك المرحلة المفصلية فى تاريخ السينما المصرية، وبذكاء وسلاسة شديدين أدرك أيضاً أهمية الانسحاب من السينما فى الوقت المناسب ليبدأ تركيزه مع الدراما التليفزيونية، التى شهدت تجارب متميزة استطاع فيها ياسين تقديم شخصيات شديدة النضج، بعيداً عن أدوار الفتى الحبيب أو الرومانسى أو الوطنى أو المطحون. وبرحيله تكون السينما المصرية والعربية قد ودعت واحداً من أهم نجومها وأغلقت مرحلة كاملة لنجوم انفرط عقدهم برحيل أحمد زكى، ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز.