الأزهر والإفتاء في مرمى المتطرفين والسفهاء!!

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

حالة من الهجوم والسب والقذف بلغت درجة كبيرة فى الانحطاط الأخلاقى تعرض لها الأزهر ودار الإفتاء بعد بيانهما بشأن حادث ذبح مدرس تاريخ فى فرنسا، لأنه عرض على تلامذته صوراً فيها إساءة للنبى الكريم، صلى الله عليه وسلم.

خلاصة ما قاله الأزهر والإفتاء أن هذا حادث إرهابى، وأنه لا يمكن تبرير جريمة الإساءة إلى النبى بالقتل، كما أدانوا خطاب الكراهية والإساءة بدعوى حرية الرأى، مع الدعوة إلى سن تشريع يُجرِّم الإساءة إلى الأديان، وأعلنتها دار الإفتاء: «سيدنا محمد خط أحمر، ولا يمكن تبرير إهانته بذريعة حرية الرأى والتعبير، وذبحُ مدرس التاريخ لا يقل بشاعة عن إهانة المقدسات».

أسجل هنا عدة ملاحظات:

- موقف الأزهر والإفتاء واضح فى أن إهانة النبى الكريم (والرضا بها) جريمة نكراء، لا يُبررها القول بحرية الرأى، كما أن مقابلة الإساءة بالذبح (والموافقة عليه) جريمة نكراء، لا يُبررها زعم الغيرة على مقامه الشريف.

- ما يدعو للأسف أن الغرب لم يُقدِّروا مشاعر مليارى مسلم، وأن الرئيس الفرنسى كعادته دافع عن الرسوم المسيئة، باعتبارها «حرية رأى»، وهذا كله مرتبط بحالة التراجع الحضارى لأمة الإسلام، مما جعل الآخرين لا يهابونها، ولا يُراعون غيرة المسلمين على رسولهم.

- إن ارتكاب جريمة القتل كرد فعل على الإساءة للدين تصدى لها الشيخان الغزالى والشعراوى -رحمها الله- حينما أجاز أحد قيادات التطرّف ذلك، استناداً إلى واقعة مقتل كعب بن الأشرف، وأوضح العالمان الجليلان أن هذا استدلال من شخص أعمى القلب لا يعرف شيئاً عن دين الله، انظر كتاب: (مواقف وقضايا فى حياة الشيخ الشعراوى) للأستاذ محمد إسماعيل، ص 108.

- فى لندن وحدها بلغت الروايات المسيئة فى الفترة من 1970م إلى 1994م نحو 1760 رواية، وصلت العام الماضى إلى 3600، وكان من نتيجة الانتصار بالممنوع للرسول أن حادث القتل الذى وقع بعد الرسوم المسيئة من صحيفة «شارلى إيبدو» جعل الرسوم تنتشر جداً، فنقلتها صحف ألمانية ودانماركية وفرنسية إلخ، وطُبع منها 130 ألف نسخة، ثم 3 ملايين نسخة، ثم 5 ملايين نسخة، وفى الحادث الأخير وردت أنباء عن أن الصورة المسيئة ستكون مقرراً دراسياً فى التعليم، فثبت من ذلك أن هؤلاء لا يُرعبهم الذبح والتفجير، بل يجعلهم أكثر عناداً، وبعد أن كان مدرس التاريخ مغموراً مجهولاً، أصبح ملايين الفرنسيين -خاصة فى الجامعات والمدارس- يهتفون باسمه، ويرفعون شعار «كلنا صموئيل باتى».

- من الملاحظ اختفاء المحيطين بشيخ الأزهر، سواء من أعضاء أو باحثى مجمع البحوث، أو باحثى هيئة كبار العلماء، أو باحثى المرصد، أو خطباء الجامع الأزهر.. إلخ، ولم ينطق هؤلاء بكلمة، وتركوا الأزهر فى مرمى البذاءات، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة كتابة منشور يوضّح القضية لمن يظن أن الأزهر خالف الجمهور، ويُبيّنوا حكم إقامة الحد فى غير البلد المسلم، ويُصحّحوا المفاهيم فى الأحاديث التى يستند إليها المنحرفون، ولا بيّنوا كلام العلماء فى أن القتل بالتعزير لا بالحد، وفى أنه لا يجوز لآحاد الناس إقامة الحدود وإشهار السلاح! ونقل ما قاله فقهاء الأحناف من أن غير المسلم فى دولة الإسلام إذا سب النبىّ لا يُقتل، لأنّ سب النبىّ ليس بأعظم من الكفر، فمن باب أولى إذا كان السّاب يعيش فى دولة غير مسلمة.. إلخ

- إن عدم البيان تقصير كبير، لأن مجرد بيانات المؤسسة الدينية وحدها ليست كافية، ما لم يتم عقبها بيان شرعى مفصّل، وينبغى هنا الإشادة بما كتبه بعض الباحثين الشبان وفاء بأمانة العلم.