بايدن رئيساً.. تحديات متوقعة

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

العالم يترقب الانتخابات الرئاسية الأمريكية. استطلاعات الرأى تتوقع فوز المرشح الديمقراطى جو بادين بالرئاسة. التغيرات المنتظرة فى السياسة الأمريكية خارجياً وداخلياً ستُمثل مرحلة جديدة فى العلاقات الدولية وفى الواقع الأمريكى ذاته. فى منطقتنا العربية ستحدث تغيرات فى السياسة الأمريكية تجاه أصدقائها وأزماتها، بداية من البرنامج النووى الإيرانى ومروراً بالأزمات الكبرى كسوريا وليبيا والحشد الشعبى فى العراق وملف سد النهضة الإثيوبى وقضية فلسطين والمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وتل أبيب. وفى السياق الأوسع بعض التغير متوقع فى العلاقة مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبى، فضلاً عن الأمم المتحدة وبعض منظماتها المتخصصة، كاليونيسكو والصحة العالمية وغيرهما كثير.

التغيير هو سنة من سنن الخالق القدير. وكما يُقال فإن السياسة هى فن الممكن. وترجمة الأمر تتّضح فى أن التكيّف مع التغيرات المحتملة، أو رفضها، أو المزج بين الرفض أحياناً والتكيف أحياناً أخرى، هى السبل العملية المتاحة أمام المستهدف من التغيير، ويتوقف الأمر على حجم المصلحة التى يمكن تحقيقها أو اكتسابها، وأيضاً حجم الضرر الذى يمكن تحمّله أو يمكن دفعه. وتلك أمور تخضع للحسابات الدقيقة وليس المشاعر والعواطف أو القناعات الأيديولوجية. ولذا فإن تجاهل التغيير ونتائجه يُعد غير واقعى وغير عملى. فالأفكار التى يطرحها بايدن فى حال فوزه ستُمثل فى جانب منها تحديات لكثير من معادلات عالمنا العربى والشرق أوسطى. إعمال الخيال السياسى مطلوب بقوة، ومصلحة الشعوب وقيمها وهويتها تظل لها الأولوية على أى اعتبار آخر. وفى كل الأحوال الاستعداد للمفاجآت عامل مهم للغاية.

فى عالمنا العربى، ولمصر موقع ومكانة مهمة فيه، ثمة حاجة ملحة لحسابات دقيقة للغاية فى أكثر من قضية شائكة تمس بعمق مصالحنا الوطنية. خاصة ما يطرحه بايدن تحت شعارات حقوق الإنسان، ودعم الأقليات الدينية، ودمج أحزاب إسلامية فى صُلب العملية السياسية، دون مراعاة لواقع البلد العربى وهويته واعتباراته المجتمعية التى تخصه فقط. وكذلك فى القضايا والأزمات التى تتصادم مع أمن دول محدّدة كمصر والسعودية وتونس والجزائر. ففى تطورات الأزمة الليبية توجد مؤشرات معقولة بشأن استمرار عملية الحوار السياسى والعسكرى بين طرفى الأزمة، برعاية أممية ودعم مباشر من جوار ليبيا، وفى المقدمة مصر والمغرب وتونس والجزائر. وبمراجعة مواقف بايدن المعلنة فى حملته الانتخابية لا يوجد تصور واضح بشأن مجمل الأزمة الليبية، مع تصريحات متضاربة بشأن الموقف من قائد الجيش الوطنى الليبى خليفة حفتر، والدور التركى وتدخلاته السلبية بالأسلحة والمرتزقة، كما يغيب أى تقييم لدور البعثة الأممية، التى ترأس أعمالها بالإنابة ستيفانى ويليامز، والتى تعرف بأنها محسوبة على الديمقراطيين. ومثل هذا الغموض بشأن دعم جهود وقف الحرب ودفع تسوية سياسية وفق المبادئ والأسس الأممية، من شأنه أن يؤثر لبعض الوقت على قوة دفع المباحثات السياسية والعسكرية التى بدأت وحققت نتائج أولية معقولة فى بناء الثقة بين طرفى الصراع الليبيين. مقابل هذا الغموض الأمريكى المتوقع لبعض الوقت تصبح مهمة مصر وكل من المغرب وتونس والجزائر رئيسية، وعلى الجميع مضاعفة الجهد من أجل الحفاظ على قوة الدفع الليبية، لتثبيت وقف القتال والأعمال العسكرية والبدء بمرحلة تأسيس ليبيا آمنة ومستقرة.

غموض مواقف بايدن يمتد أيضاً إلى الأزمة السورية، إذ انصب التركيز على انتقاد دور الرئيس بشار الأسد واعتباره مسئولاً عن جرائم حرب، أما باقى عناصر الأزمة، كالتدخل التركى والروسى والإيرانى والموقف من الأكراد وبقايا تنظيم «داعش»، ووجود قوات أمريكية فى شمال سوريا والحوار المتقطع بشأن الدستور السورى بين ممثلى الحكومة السورية، ومن يعتبرون معارضة وممثلين للمجتمع المدنى السورى، فكلها عناصر ليست واضحة بعد فى أجندة بايدن، وبالتالى فهى معرّضة للتجاهل أو ربما طرح رؤية شاملة بعد تولى السلطة فى حال الفوز فى الانتخابات. وتلك بدورها ستكون محل تدخلات مباشرة وغير مباشرة من المشتبكين مع تطورات الأزمة السورية والموجودين على الأرض السورية.

فى المقابل هناك ثلاث قضايا كبرى تمس المصالح العربية بوجه عام ويوجد فى تصور بايدن أفكار محدّدة؛ أولها تأييد نسبى لإحياء مسار تفاوضى تقبله إسرائيل مع السلطة الوطنية، ولكن لا يعرف كيف سيتم ذلك، مع غموض متعمّد تجاه القرارات التى اتخذها الرئيس ترامب بشأن القدس موحدة عاصمة لإسرائيل وضم الجولان المحتل إلى إسرائيل دون أساس قانونى. وثانيها الاعتراض على الحرب فى اليمن لأسباب إنسانية تتعلق بالخسائر الكبرى التى يتعرّض لها اليمنيون. وهو اعتراض يحتمل أن تُصاحبه إجراءات تتعلق بوقف صفقات تسلح، ولا يمتد إلى تحديد مسئولية الحوثيين فى استمرار الأزمة، ولا يمتد أيضاً إلى دعم مهمة المبعوث الدولى مارتن جريفيث لتسوية الحرب وبناء الثقة. وهو ما يشكل تحدياً للحكومة اليمنية الشرعية وللتحالف العربى المؤيد لها.

القضية الثالثة، وتُعد الأوضح نسبياً، وتتعلق بإيران وبرنامجها النووى. ووفقاً لبايدن فإنه يؤيد العودة إلى الاتفاق النووى الإيرانى، وما يترتب عليه من التزامات، من بينها؛ إلغاء تجميد الأرصدة الإيرانية فى البنوك الدولية، ورفع العقوبات وفق القرار الدولى 2231 طبقاً لبرنامج زمنى متدرج، يشمل وقف حظر بيع وشراء الأسلحة لإيران، وهو الحظر الذى انتهى قانوناً قبل يومين، ويليه رفع الحظر عن البرنامج الصاروخى فى عام 2023، ويليه غلق ملف البرنامج النووى الإيرانى نهائياً فى 2025. والعقبة التى تواجه التزام إدارة بايدن المنتظرة بالاتفاق النووى الإيرانى تتمثل فى كم العقوبات الهائلة التى طبّقتها إدارة الرئيس ترامب تحت عنوان سياسة «الضغط القصوى»، وهى السياسة التى يراها بايدن فاشلة وأدت إلى زيادة مستوى التوتر فى الخليج. ووفقاً له فإن رفع العقوبات الأمريكية سيكون مشروطاً بالتزام إيران بكل القيود الواردة فى الاتفاق النووى. بيد أن تراجع بايدن المتوقع حال فوزه عن سياسة «الضغط القصوى» لن يكون مباشراً، وقد يتأثر جزئياً بالضغوط الإسرائيلية التى ترفض أى انفراج فى علاقات طهران وواشنطن. ومع ذلك سيعد انتصاراً معنوياً لإيران، وخصماً من المعادلات الأمنية التى بُنيت فى السنوات الأربع الماضية، مما يشكل تحدياً لجيران إيران، وإضافة لحلفائها المحليين، كما فى العراق واليمن ولبنان.

هذه التوقّعات وغيرها النابعة من أطروحات بايدن وحملته الانتخابية، ليست قدراً محتوماً، فهى مرتبطة أولاً بفوز بايدن فى الانتخابات، والأمر لن يُحسم إلا مع قرار المجمع الانتخابى، وحتى تلك اللحظة سيظل احتمال فوز ترامب مطروحاً على الطاولة، ومعه سياسات وبرامج مغايرة تماماً.