مصر الرقمية
مع بداية الألفية الثالثة، وفى العام 2001م، بدأنا نسمع مصطلح «القرية الذكية»، حيث ارتبط هذا الاصطلاح فى أذهان الناس بالمشروع الموجود على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوى، وهو عبارة عن تجمع لشركات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والمؤسسات الحكومية المرتبطة بتلك الصناعة. وسمعنا بعد ذلك عن «الوادى الذكى» (Smart Valley) أو «وادى التكنولوجيا» أو «وادى السيليكون». ومؤخراً، ظهر تعبير «المدن الذكية». وفى الوقت الحالى، لم يعد الحديث عن «القرية الذكية» أو «الوادى الذكى» أو «المدينة الذكية»، وإنما غدت الحياة على وجه الأرض كلها ذكية، وأصبح معيار تقدم الأمم هو مدى نجاحها فى التحول الذكى الرقمى للخدمات الحكومية كافة. ومن هنا، كان حرص القيادة السياسية المصرية واضحاً على ضرورة الإسراع فى الميكنة والتحديث والتحول الرقمى كنهج استراتيجى للدولة. وهكذا، كان طبيعياً أن تتقدم بلادنا 34 مركزاً فى مؤشر «جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعى»، الذى يصدر سنوياً عن شركة الاستشارات العالمية أكسفورد إنسايتس والمركز الكندى لأبحاث التنمية الدولية. فوفق التقرير الصادر مؤخراً، ويقع فى 146 صفحة، احتلت مصر المرتبة السادسة والخمسين عالمياً والسابعة عربياً، بعد كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية والبحرين وعمان والكويت على التوالى. ويعنى ذلك أن الدول العربية الخليجية فقط هى التى تسبقنا فى الترتيب على مستوى الدول العربية. واحتلت مصر المرتبة الثامنة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويتضمن صدر التقرير عبارة موجزة تعبر عن الفلسفة الحاكمة له، وهى أنه «بالنسبة لغالبية الحكومات فى هذا العالم حيث يكون استخدام الذكاء الاصطناعى فى الخدمات العامة ما زال فى مراحله المبكرة، فإن إيماننا وقناعتنا هى أن فهم الجاهزية يبدو أمراً جوهرياً وضرورياً». وانطلاقاً من ذلك، ولأن المعرفة هى أول طرق التطوير، نرى من الملائم إلقاء الضوء على أهم العناصر والمحاور التى يتضمنها مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعى. وكما هو واضح من اسمه، يقيس المؤشر مدى استعداد الحكومات لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى تقديم الخدمات العامة لمواطنيها، وذلك وفق محاور رئيسية ثلاثة، وثلاثة وثلاثين مؤشراً فرعياً، أبرزها وجود استراتيجية قومية للذكاء الاصطناعى، والخدمات عبر الإنترنت، والقدرة على الابتكار، وقوانين حماية البيانات والخصوصية.
ويرجع التقدم الذى أحرزته مصر فى «مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعى» إلى تبنى وإطلاق «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعى» فى العام 2019م، التى تقوم على ركيزتين، هما: بناء القدرات البشرية، ودعم البحث العلمى والابتكار. كذلك، يرجع التقدم المحرز إلى إنشاء «المجلس الوطنى للذكاء الاصطناعى»، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (2889) لسنة 2019م، للإشراف على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية فى هذا الصدد، حيث عقد المجلس اجتماعه الأول فى شهر فبراير 2020م. ولم تنس مصر المحيط الجغرافى لها، حيث قامت بالدعوة إلى تشكيل مجموعة عمل تابعة للاتحاد الأفريقى بشأن الذكاء الاصطناعى. وفى المجال البحثى الأكاديمى، كان لجامعة القاهرة دور مهم فى تحسن ترتيب مصر فى المؤشر، حيث نجحت الجامعة المصرية الأم فى أن تصبح ضمن أفضل مائتى جامعة فى العالم بمجالات الهندسة والتكنولوجيا، وتوجد بها إحدى الكليات المتميزة فى هذا المجال، وهى «كلية الحاسبات والمعلومات»، التى تم تغيير اسمها مؤخراً إلى «كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعى». وتعتزم الحكومة إنشاء جامعة جديدة لتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى ثمانى كليات جديدة للذكاء الاصطناعى. وبدوره، يمكن أن يلعب القانون وكليات الحقوق دوراً مهماً فى تعزيز مرتبة مصر فى المؤشر، من خلال حوكمة ووضع الضوابط المناسبة لاستخدامات الذكاء الاصطناعى. إذ تعد «الحوكمة» (Governance) و«الأخلاقيات» (Ethics) أحد عناصر القياس والتقييم فى هذا المؤشر وغيره من المؤشرات النظيرة أو المماثلة أو ذات الصلة. وفى هذا الصدد، يذكر المؤشر أن مصر تبدو متأخرة نوعاً ما فى بعض الجوانب المهمة لحوكمة الذكاء الاصطناعى. ومع ذلك، يشير المؤشر إلى أن الدولة قد اعتمدت مؤخراً قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020م، والذى صدر فى الثالث عشر فى يوليو 2020م. وتجدر الإشارة فى هذا الشأن إلى عبارات المؤشر، والتى يؤكد فيها ضرورة «الاستعمال المسئول للذكاء الاصطناعى». وفى هذا الصدد، يذكر المؤشر أن 42 دولة قامت فى العام 2019م بتوقيع وثيقة مبادئ منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية فى شأن الذكاء الاصطناعى، حيث اتفقت هذه الدول على ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعى مصممة بطريقة تحقق الأمان والعدالة والثقة. وفى الخامس عشر من يونيو 2020م، أصدرت 15 دولة بياناً مشتركاً عن الشراكة العالمية بشأن الذكاء الاصطناعى. ومن جانبى، أرى من الملائم الإشارة إلى بعض التشريعات المقارنة بشأن حوكمة وتنظيم الذكاء الاصطناعى، كما هو الشأن فى مشروع القانون الأمريكى بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعى لعام 2020م.. والله من وراء القصد.