عزيزى المُنتَخَب لرئاسة بلدنا..

محمد منير

محمد منير

كاتب صحفي

(1) هو واحد من بين المئات من «عمال اليومية» الذين يجلسون على الرصيف فى انتظار مَن يقف أمامهم بسيارته، ثم يُشير على أحدهم، بعد أن يرمقهم بنظرة عابرة ليختار أفضلهم صحة ومظهراً، حتى يستأجره باليومية، ربما لنقل أثاث شقة، أو لنقل مواد بناء لعمارة تحت الإنشاء، أو لأى أعمال أخرى، فهو لا يمانع حتى لو طُلب منه نقل «جيف» من مكان لآخر، هو فقط ينتظر إشارة واحدة بالسبابة حتى يقذف بنفسه فى النار من أجل قوت عياله، وقد يبقى لساعات طويلة تحت وطأة أشعة الشمس الحارقة دون أن يُشير إليه أحد، لكنه يظل متشبثاً بالأمل حتى اللحظة الأخيرة، لأنه لن يتحمل نظرة زوجته وأبنائه الجوعى وهو عائد إلى البيت خالى الوفاض. وسط كل هذا تجده يرقص فرحاً وسط من يرقصون سواء أكانت الأغنية «بشرة خير» أو «تسلم الأيادى» أو «يا حبيبتى يا مصر»، وقد لا يعرف لماذا يرقص هؤلاء؟! ولو سألته «بترقص ليه؟!»، فقد يفكر قليلاً ثم يقول لك «باتشعبط فى لحظة فرح»، وقد يبكى لأنك فى هذه اللحظة ستُذكره بكل آلامه وهمومه ومشاكله التى حاول أن يختبئ منها خلف لحظة فرحة! (2) هى واحدة من بين المئات اللاتى اضطررن للعمل فى مهن مختلفة أعظمها خادمة فى البيوت، حتى تعول أبناءها وزوجها المريض الذى كان يعمل باليومية لكن لم يرحمه «فيروس سى» وقضى على كبده، وتركه طريحاً للفراش، ورغم مرضها أيضاً فإنها أحسن حالاً منه، لأنها على الأقل تستطيع الوقوف على قدميها، لتعول أسرتها. هى قد تكون السيدة نفسها التى كانت ترقص أمام كاميرات التليفزيون، أمام إحدى لجان التصويت فى الانتخابات الرئاسية، من أجل أن تختبئ خلف لحظة فرح! (3) هو شاب وصل لسن الأربعين ولم يتزوج، وكيف يتزوج وهو فى الصباح يعمل مدرساً، وبعد الظهر سائق تاكسى، حتى يستطيع تغطية تكاليف علاج والده الذى يحتاج لغسيل كلوى بصورة أسبوعية، بعد أن فشلت جميع محاولاته فى إصدار قرار علاج له على نفقة الدولة، وإكمال جهاز شقيقته المخطوبة منذ عامين، وتوفير العلاج لوالدته مريضة السكر التى تطاردها الغيبوبة بين الحين والآخر، وأخيراً تسديد أقساط السيارة التى تقصم الظهر. هو قد يكون سائق التاكسى نفسه الذى نزل من سيارته فى منتصف الشارع ليُشارك آخرين الرقص والغناء فرحاً بفوز المشير عبدالفتاح السيسى بالرئاسة، من أجل أن يختبئ خلف لحظة فرح! (4) هو ما زال طفلاً فى الثانية عشرة من عمره، ليس له مأوى، الشارع بيته، يحتضن نفسه عندما يشعر بالبرد، يغوص وسط أكوام من القمامة عندما يشعر بالجوع، ليس كبقية الأطفال الذين يرتمون فى أحضان أمهاتهم عندما يشعرون بالخوف أو يتألمون مرضاً أو عندما يبحثون عن الأمان، فهو بلا أب أو أم، ولا يعلم حتى اسمه الحقيقى مثل أكثر من مليونى طفل آخر من أطفال الشوارع فى مصر. هو قد يكون الطفل نفسه الذى كان يرقص فرحاً بأغنية «بشرة خير»، وسط مجموعة من الأطفال، أو قد يكون الطفل الذى كان يرقص فوق قضبان «تروماى» مصر الجديدة، من أجل أن يختبئ خلف لحظة فرح! (5) عزيزى المُنتَخَب لرئاسة بلدنا.. هذا هو حال الشعب المصرى، لا يحلم بشرب المياه المعدنية، أو السكن وسط ملاعب الجولف، أو قيادة سيارة هامر، أو تناول «الأورجنيك فوود» (غذاء طبيعى من دون كيماويات)، أو قضاء عطلة نهاية الأسبوع فى جزيرة سيشيل، أو قراءة الصحف عبر الآيباد (ipad)، أو الاستماع إلى الموسيقى من الآيبود (ipod)، فقط يريد الرحمة والعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، أو حتى لحظة فرح يختبئ فيها من همومه.