م الآخر| شعب "كارفور" وشعب مصر

كتب: شريف عبدالعزيز

م الآخر| شعب "كارفور" وشعب مصر

م الآخر| شعب "كارفور" وشعب مصر

يتوهم البعض أنهم يرون كل قطاعات الشعب المصري، بمختلف فئاتهم الاقتصادية والاجتماعية بمجرد تقليب القنوات الفضائية وقراءة بعض الجرائد اليومية وحسب، فهم في الحقيقة لن يعرفوا شيئا عن خصائص كل طبقة وعاداتها واحتياجاتها وأذواقها وتطلعاتها، فضلا عن معاناتها والمشقة اليومية التي يمر بها هؤلاء يوميا لتوفير الاحتياجات الطبيعية والانسانية. تلك الطبقات تتداخل معنا كل يوم، في كل تفصيلة في حياتنا، بينما أنا وأمثالي من "شعب كارفور" من الطبقة البرجوازية نحتك بهم احتكاكا ظاهريا في مجمل التعاملات اليومية، دون التعمق في تفاصيل معايش هذه الطبقات. يجب أن تعرف أن شعب" كارفور " قد لا يمثل أكثر من 5% من الشعب المصري، فحسب الأرقام الصادرة من مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء أنه في عام 2011 كانت الفئة التي تتقاضي أكثر من 5 ألاف جنيها شهريا لا تزيد عن 5% من عموم الشعب المصري، وهي الفئة التي تستطيع أن تذهب إلى كارفور وهايبر وتتسوق في محلات الملابس والأثاث والأجهزة الكهربائية ذات الماركات العالمية، وتستطيع أن تتناول العشاء والغداء في مطاعم متوسطة الرقي إلي عالية الرقي عدة مرات في الشهر فضلا عن المقاهي والكافيهات التي يمكن للمرء أن ينفق فيها علي الأقل خمسين جنيها في المرة الواحدة، هذا هو شعب كارفور الذي أعنيه، الشعب الذي له نمط حياة لا يستطيع التخلي عنه، وهو مكلف ولا يصلح إلا لمن كان يتقاضي مبلغا شهريا يستطيع معه أن يتحمل مثل هذا النمط. الفئات الأخري من عمال المصانع والمزارعين وأصحاب التاكسيات وعمال المطاعم والكافيهات والحرفيين وغيرهم، حتي الذين يتقاضون أموالا معقولة نسبيا فهم لا يعيشون مثل هذا النمط من الحياة، ولهم ترتيبات حياتية مختلفة تماما، ويكثر فيهم الطبقات المنسحقة التي لا يتجاوز دخلها الشهري عدة مئات من الجنيهات، فضلا عن مشاكلها الصحية المزمنة ومعاناتها في التعليم والسكن والدواء وغيرها من احتياجات انسانية طبيعية ومشروعة، وهذه الفئات تمثل، وطبقا لأرقام الحكومة، حوالي 95% من الشعب المصري. تلك الفئات تتداخل يوميا مع فئة " شعب كارفور"، وتنتفع من التميز الاقتصادي الذي تعيشه هذه الفئة، ولذا فإن هذا الشعب الذي لا تراه أو تتجاهله كثيرا، هو شعب حقيقي تتعامل معه يوميا في كل تفصيلة، بينما تمثيله في كل مناحي الحياة يكون منعدما تماما. فشعب كارفور هو الذي يحتل وسائل الإعلام، بمذيعيه وإعلامييه وضيوف قنوات الحوار والممثلين والفنانين وفئة المثقفين والنخب والنشطاء والسياسيين والبرلمانيين والوزراء، وغيرهم، وفئة القضاة أيضا وفئة ضباط الشرطة والجيش وفئات أخرى محسوبة علي الدولة، فضلا عن فئات غير مرتبطة بالدولة ولكنها مستفيدة منها. فأين تمثيل هذه الفئات في المجتمع رغم أنها تمثل الغالبية العظمى منه؟، ولمن سيكون البرلمان القادم مثلا إن لم يكن يمثل مصالح هذه الفئات ؟ هل ستتحول دوائر اتخاذ القرار إلى ساحات حرب لتصفية حسابات بين جهات ذات سيادة ؟ أم ستعمل لصالح هذه الفئات التي تمثل باعتراف الحكومة الغالبية الكاسحة من الشعب؟ هل ستظل الفئة البرجوازية صاحبة التمثيل الأعلى في كل شئ رغم أنها لا تمثل أكثر من 5% من الشعب المصري؟ وإلي أين يقود مثل هذا الوضع؟ وما خطورته؟ أفراد شعب مصر الحقيقين إذن، هم الذين نراهم كل يوم ونتعامل معهم، ولكن نعتقد أنهم لا قيمة لهم، نظن أنهم يفكرون مثلنا، نفرض عليهم أراءنا، ونعتقد أنهم يصدقون تلك الصور الوهمية بلقطات مرئية علي قنوات فضائية، ولكن أحدا منا لا يعود معهم إلي منازلهم الضيقة وشوارعهم المحطمة وإلي حوائطهم الباهتة، ولا يفتح ثلاجاتهم نصف الفارغة ولا يبيت معهم علي سرائرهم المائلة، ثلاثة أشخاص في سرير واحد، وآخرون ينامون علي البلاط، حتى أن البعض تبيت قدماه في شقة الجار من ضيق المنازل وقرب الجدران. نحن نرى وهما في رؤوسنا، مصنوع في وسائل الإعلام وفي مجالس الأقارب والأصدقاء المنتمين لنفس الطبقة البرجوازية التي ننتمي لها فنقابلهم في البيوت والنوادي ونتحدث معهم علي مواقع التواصل الاجتماعي فنظن أنهم الغالبية العظمى من الشعب المصري، ولذا يتعجب الكثيرون لما يختلف الواقع الحقيقي على الأرض في الأغلب عن صور وسائل الإعلام وعن تكتلات المجتمع الإفتراضي علي مواقع الفيسبوك وغيرها؟، لا عجب إذن فنحن نصنع مقاييس خاصة بنا ثم نسميها وطنية أو قومية أو نعطيها غطاءا دينيا، ولكن الحقيقة الواحدة، والوحيدة، التي نصر على إنكارها، هو أننا جميعا نتحدث باسم الطبقات المطحونة، نحن الذين نتقاضى أجورا أعلى ونقضي أوقاتنا في النوادي والمنتديات الفاخرة وقد ننفق في جلسة عشاء واحدة ضعف الذي يتقاضاه رب أسرة في شهر كامل، فنتحدث باسم تلك الطبقات الكادحة، التي لا تجد إلا صنفا واحدا من الحليب أو الخبز في أقرب محل مجاور، هذا إذا توفر لهم، بينما نحن نذهب إلي كارفور لنختار ما بين عشرين صنف وصنف. هؤلاء "غير المرئيين".. الذين نراهم.. ولكن لا نأبه لهم كثيرًا.. هم من سيغيرون الأرض من تحت أقدامنا.. كما فعلوا في يوم غريب لم نظن يوما أن يحدث أبدًا .. يوم الثامن والعشرين من يناير.. في ثلاث ساعات شداد.. غريبات.. حيث قام الشعب الذي لا نريد أن نراه بالإنفجار.. إنفجر مرة في ثلاث ساعات، ثم سكت ثلاث سنوات ومارس حينها الذهاب إلى صناديق الاقتراع بأعداد حاشدة واضحة.. حتى حينما "زاطت" النخب وركب الإخوان، ثم عاد هذا الشعب الذي لا نريد أن نراه ليقوم بدور الملقن درسا، فأحجم عن المشاركة في انتخابات رئاسة 2014 حيث سكت ثلاثة أيام سكوت المعاتب، وعلى الرغم من ذلك أنكرنا، فلم نرغب في سماع هدير الصمت رغم أنه كان أبلغ من الكلام.. ثم.. وما أدراك ما ثم.. سينطقون.. يوم لا ينفع مع نطقهم شعاراتنا الوطنية المفصلة ولا صيحاتنا القومية المنقرضة تاريخيا ولا خطابنا الأمني الذي أصبح لا يسمن ولا يغني من جوع ولا حتي تسترنا بالدين.. فحينها تكون لحظة الحقيقة.. وما أدراك ما لحظة الحقيقة. وليت قومي يعلمون.