مواطن موسمى.. حكومة موسمية!

جعل الله أيامنا كلها انتخابات، فهى الفرصة الوحيدة التى يشعر فيها المواطن بأهميته لدى الحكومة والمعارضة على السواء، حيث يتسابق الجميع لكسب رضاه وبذل الغالى والرخيص من أجل الحصول على صوته. أما فى غير أيام الانتخابات فلا يشعر المواطن بمواطنته، ولا يجد من يستمع إلى شكواه أو يتجاوب مع مطالبه. ولكن ما إن تحل علينا أيام الانتخابات -رئاسية كانت أو برلمانية- حتى تجد الجميع وقد هرول نحو هذا المواطن الغلبان وكله آذان مصغية وصدر مفتوح متجاوباً مع كل ما كان قد بُحَّ صوت المواطن مطالباً به من حقوق! لقد تعودنا على ذلك منذ أن كانت السلطة فى يد الحزب الوطنى، حين كان يسارع بإسقاط الديون عن الفلاحين أو يتغاضى عن حملات الإزالة فى مخالفات البناء على الأرض الزراعية، أو يعمل على توفير السلع بأسعار مخفضة فى شوادر ومراكز البيع، وكانت جماعة الإخوان فى المقابل تسير قوافل العلاج فى القرى والنجوع وتنشط بتوزيع الزيت والسكر على فقراء المواطنين، كما كان يتولى مشايخهم سد النقص وأوجه القصور فى ذلك، فيعتلون المنابر بإطلاق الفتاوى اللازمة لتعزيز موقف مرشحيهم فى الانتخابات على حساب موقف مرشحى السلطة من المنافسين. هكذا كانت تجرى الأمور فى السابق، وكنا نتصور -حتى من قبيل التفاؤل- أن ذلك قد تغير بعد موجات متتالية من الثورة، فإذا بنا أمام نفس المشهد دون تغيير؛ فها هو حزب النور، الوريث الشرعى لجماعة الإخوان المسلمين، يحاول ملء الفراغ الذى خلفته الجماعة فى الساحة بعد أن تم إقصاؤها بقرار شعبى، فيقوم النور بما كانت تقوم به الجماعة من توزيع المنح والعطايا على الفقراء لاستمالتهم إلى جانبها كسباً لأصواتهم. وها هى الحكومة -المفترض أنها حكومة الثورة- راحت تسير على خطى حكومة الفلول، فتنشر شوادر اللحوم الرخيصة فى الأسواق، وتقوم بتوفير السلع فى منافذها، وتؤجل قراراتها بزيادة الأسعار ورفع الدعم، وتترك الباعة الجائلين يحتلون الأرصفة دون الضغط عليهم لإخلاء أماكنهم.. هكذا عادت ريما لعادتها القديمة، وكأن شيئاً لم يحدث فى مصر طيلة السنوات الماضية، ليصبح الحديث عن الديمقراطية نوعاً من اللغو والتضليل طالما استمر الجميع فى تقديم «عرض أسعار» لشراء الذمم وبيع الضمائر، ليصبح المواطن الغلبان بين نارين؛ فإما أن يبقى على فقره أو أن يبيع ضميره ومبادئه لمن يقدر على دفع ثمن أعلى، مستغلاً الفرصة الوحيدة التى لا تأتيه إلا كل عدة سنوات ليشعر بأهميته لدى الجميع، مقراً ومعترفاً بحقيقة الأمر التى تتلخص فى كونه «مواطناً موسمياً» فى ظل حكومة «موسمية» لا تعيره الاهتمام المطلوب إلا فى الأعياد والمواسم!