في زمن الكورونا «قررت اتبهدل في المواصلات»
قرار صعب أجبرتني عليه الظروف، هو التخلي عن سيارتي وأعود "للتنطيت" في المواصلات، فى بداية الأمر بعد بيع البيجو العتيقة كنت أتمتع ببعض الرفاهية في اختيار نوع المواصلات التي اعتمد عليها ذهاباً وإياباً، فمازال بحوزتي بعض النقود التي ترتقي بمستوى معيشتي بعض الشيء وتضمن لي الراحة في الشارع المصري، فأكون ممن يكتفي بمراقبة معاناة الركاب في وسائل النقل العام ولا يتذوق لوعاتها، يا لها من نعمة لم تدم كثيرا، فسرعان ما تعثرت الحالة الاقتصادية واستمرت في الهبوط في "زمن الكورونا" الذي نكابده هذه الأيام، حتى أجبرتني للانضمام لطوابير وسائل النقل العام والميكروباص، قررت اتبهدل في المواصلات وانخرط مع الشريحة التي لم يتاح لها رفاهية الاختيار بين التاكسي والأوبر، نعم تفاوضت مع نفسي عدة أيام قبل الاستسلام لاستقلال المواصلات العامة، ما بين تأجيل خروجاتي وأشغالي أو "الخروج موتو ريجل" لكن هيهات، لا الأشغال تصبر ولا أقدامي تتحمل.
ويوميات الكورونا بالميكروباس أو الباص وكذلك المترو كانت أقل تكلفة عشر مرات من التاكسي خاصة في المسافات البعيدة، لكنها فى المقابل كانت أكثر خطرا ألف مرة، فلا تحدثني هناك عن فكرة التباعد الاجتماعي فهناك التلاصق الاجتماعي، التناطح الاجتماعي، التكاتف الاجتماعي -تلامس الأكتاف- التعاون الاجتماعي في نشر الفيروس، إلا ما رحم ربي من الأنفاس المتلاحقة الضعيفة والأجساد النحيلة من الإصابة بالكورونا أو فضح إصابة موجودة بالفعل، حتى لا تحدث جلبة وذُعر في الباص وللسائق في الطرقات السريعة.
الميكروباص يأبى سائقه أن يتحرك لبدء رحلته دون أن يرص الركاب رصًا بجوار بعضهم البعض مُتفادي أي نقص وأي مكان فارغ حتى يستفيد بأجر الميكروباص كاملا، ويحجز مقعدين بجواره لفتاة جميلة أو رجل أنيق يستطيع دفع أجرةً مضاعفة ليحظى بالراحة والفسحة والآمان له وللسائق، وهنا نجد السائق يقوم بالكثير من دورات التوصيل دون تطهير الميكروباص أو تنظيفه بل يمكن استبدال الراكب فى الدورة الواحدة عدة مرات وهم بدورهم يجلسون متلاصقين، الكتف بالكتف وربما الوجه في الوجه، بكمامة أو بدونها -وسلمولي على الكورونا واحتياطات الوقاية- خاصة وقت الذروة صباحًا ومساءً.
"الميني باص" وهو أخطر من الميكروباص على الركاب ، يرص الركاب على المقاعد ثم يبدأ في ملئ طرقات السيارة، ويظل يكبس البشر كبسا إلى داخل العربة حتى يملاء الفراغ ما بين المقاعد - الطرقة - وهكذا حتى تصل أقدام الركاب إلى سلم الميني باص، ورغم ذلك يظل مساعد السائق ينادي على الركاب، إمبابة، الجيزة، بولاق، أكتوبر، الهرم، كل هذه المناطق وغيرها يخدمها الميني باص بعلم إدارة المرور والتراخيص طبعا، حتى تجد نفسك -هذا إذا حالفك الحظ وكنت جالس على مقعد بداخله- يلتصق كتفك براكب آخر وثلاث رؤس فوق رأسك يستندون على طرف مقعدك ليتفادوا السقوط، وواقع حالهم يقول "يابختك" أو ينظروا لك بحقد "امتى هتقوم تنزل يا ابن المحظوظة" وهذا ما أقصده بالتناطح الاجتماعي اللهم احفظنا.
والذي يخالف وينافس فكرة التباعد الاجتماعي على أرض الواقع، أو بالأحرى على أرض الميني باص، أم عن الباص فكما يعلم مرتاديه أنه لا يفرق عن المني باص إلا بحجمه ونشاط الباعة الجائلين داخله مما يزيد من الازدحام والضوضاء، ومن المفارقات الغريبة أن أهم بضائع "السوق باص" في زمن الكورونا هي "الكمامة" والمطهرات والمعقمات لزوم الوقاية من الوباء.
وحينما نتحدث عن المواصلات لا يسعني أن ننسى الوسيلة الأسهل والأرخص والأضمن، والتي من المفترض أن تكون الأكثر أمنًا من الكورونا وهي "المترو".
بالفعل المترو بريمو المواصلات ويخدم 3 مليون مواطن يوميا الوسيلة الأكثر حضارة ونظافة، لكنه للأسف في الكورونا تزداد خطورته عن أي وسيلة أخرى، فعدد الركاب الهائل يبرهن التزاحم والتدافع في الصعود والنزول في وقت واحد من نفس الأبواب، كتل بشرية لا تستطيع أن تتحاشاها لا كمامة ولا كحول يصمدوا أمام اختلاط الأنفاس داخل عربات المترو من كل جانب ليتحول بريمو المواصلات لأخطر أنواع المواصلات في زمن الكورونا.
تتجه الدولة مشكورة لزيادة خطوات المترو في الجيزة والقاهرة، لتخفيف العبء على باقي أنواع المواصلات وتمتص الزحام من فوق الأسفلت، لكن ينقصها سرعة التنفيذ وهي قادرة على ذلك في مثل هذه المشروعات القومية التي تحتاجها العاصمة بإلحاح.
أما عن استراتيجية الدولة نحو حل أزمة المواصلات واستعدادها لمواجهة الأزمات والأوبئة، بتطبيق التباعد الاجتماعي على أرض الواقع، لابد من تشجيع ركوب الدر…