أنا لست شيئاً.. ولكن قد أصبح كل شىء

د. إنجى مهدى

د. إنجى مهدى

كاتب صحفي

لخّص جون آدامز، أول نائب رئيس للولايات المتحدة الأمريكية المنصب فى هذه العبارة.

يمنح الدستور الأمريكى نائب الرئيس دوراً محدوداً، فهو ينص على توليه رئاسة مجلس الشيوخ، كما أنه يحل محل الرئيس فى حال وفاته أو استقالته. السيدة كاميلا هاريس هى نائب الرئيس الأمريكى التاسعة والأربعون، وخلال تاريخ المنصب، وصل خمسة عشر نائباً للرئيس إلى سُدة الرئاسة، كان أولهم جون آدامز، وأما آخرهم فهو الرئيس القادم جو بايدن: تولى منهم (6) عن طريق الانتخابات، وعدد (9) وصلوا للرئاسة للأسباب الأخرى المذكورة سلفًا، كان آخرهم ليندون جونسون الذى تولى الرئاسة بعد اغتيال جون كينيدى، وجيرالد فورد بعد استقالة ريتشارد نيكسون بسبب فضيحة ووترجيت.

يشغل نائب الرئيس منصب رئيس مجلس الشيوخ، وله حق التصويت حال تعادل أصوات الأعضاء، كما أنه يتولى رئاسة الجلسات المشتركة لمجلسى الكونجرس النواب والشيوخ. فضلاً عن كونه عضواً فى مجلس الأمن القومى، وله مكتبه الخاص وطاقم مساعدين لتنظيم مهامه البروتوكولية، أو التى يتولاها نيابة عن الرئيس.

كان مكتب النائب فى مجلس الشيوخ حتى فترة قريبة عندما قرر الرئيس جيمى كارتر تخصيص موقع دائم لنائبه فى الجناح الغربى فى البيت الأبيض، ما مثّل إضافة للمنصب، وأعطاه رمزية كبيرة بقربه من الرئيس.. مع دوام اللقاء والتنسيق.

لا توجد قيود لإعادة الترشح لمنصب نائب الرئيس لأكثر من فترتين رئاسيتين، على عكس منصب الرئيس المقيد دستورياً بفترتين فقط.

وقد حظى المنصب بتطور إيجابى خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان المرشح الرئاسى لا يختار نائبه بل يتولى الحزب ذلك، ولهذا كانت وظيفة النائب شرفية وغير فاعلة، للدرجة التى وصف بها «جون آدامز» المنصب بقوله: «إنه أتفه منصب يمكن للعقل أن يتصوره»..

ولأن نائب الرئيس هو مستشاره الأول حول كافة المواضيع، فقد كان للبعض منهم دور كبير فى السياسة الخارجية، إما لخبرتهم السياسية والأمنية، مثل نائب الرئيس رونالد ريجان وجورج بوش الأب، السفير السابق لدى الأمم المتحدة، والمدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية. أو لخلفيته الفكرية الكبيرة القادرة على توجيه الرئيس غير الكفء الذى تراجع دوره لصالح نائبه، كما كان الحال فى إدارة الرئيس الجمهورى جورج دبليو بوش ونائبه ديك تشينى، فى سياق تداعيات أزمة أحداث سبتمبر 2001.

وعن الإدارة الأمريكية الجديدة، فهناك انسجام كبير بين الرئيس المنتخب جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس، كما كانت الصورة بين الرئيس الأسبق بارك أوباما ونائبه وقتذاك جو بايدن.

كما أن «هاريس» لها خبرة كبيرة ومستقبل أكيد، حيث إنها تصغر الرئيس باثنين وعشرين عاماً، اختارها بايدن منذ أغسطس الماضى لتشاركه فى السباق الرئاسى، وكانت قريبة من نجله «بو» الذى كان مدعياً عاماً لولاية ديلاوير قبل وفاته عام 2015، وقت أن كانت هى مدعية عامة لولاية كاليفورنيا منذ 2010 كأول امرأة سمراء، قبل أن تصبح عضواً فى مجلس الشيوخ 2017 كثانى امرأة سمراء على الإطلاق بالمجلس.

ورغم الصّدام السابق بين الرئيس المنتخب ونائبته أثناء إحدى مناظرات الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين، بسبب موقف بايدن الرافض لبرامج نقل التلاميذ، والاختلاط فى الحافلات، للحد من الفصل العنصرى فى المدارس.. فى أثناء السبعينات. وبنهاية حملة ترشحها للرئاسة، أعلنت هاريس دعمها لترشح السيناتور بايدن للانتخابات الرئاسية، وهو ما يعكس رسالة التآلف فى مقابل الانقسام والاختلاف الذى تأكد خلال إدارة الرئيس الحالى دونالد ترامب، الذى طغى الطابع الشخصى فيها على الطابع المؤسسى.

ومن بين ملفات عدّة على أجندة الإدارة القادمة، تأتى العدالة العرقية كأولوية مع مكافحة وباء كوفيد 19، والأزمة الاقتصادية على المستوى الداخلى. وخارجياً.. العودة للتحالفات، وتعددية إدارة الأزمات، وخفض الميزانية العسكرية، والتأكيد على الأمن غير التقليدى بملفات الأمن البيئى والأمن الإنسانى.

وسيكون التوجّه الآسيوى مطروحاً بقوة كأولوية لدوائر السياسة الخارجية الأمريكية، استكمالاً لمشروع أوباما فى التوجّه نحو آسيا الباسيفيك، بعد توقفه مع الإدارة الحالية.

سوف تتاح الفرصة لهاريس لاكتساب الخبرة الضرورية التى تفتقر إليها فى مجال السياسة الخارجية بقربها من الرئيس بايدن، لتضيف إلى تمكّنها من الملفات الداخلية. وستكون محط اهتمام الباحثين والمتابعين للشأن الأمريكى لاكتشاف مناطقها الرمادية فى السياسة الخارجية. إنها ببساطة المرأة الأوفر حظاً ورغبة فى إدارة البيت الأبيض كرئيس.

وكأول امرأة تتولى المنصب، وكما غردّت هاريس: «الولايات المتحدة بلد الممكن والحلم المستطاع.. والاحتمالات».. فيظل هناك احتمال كبير بأن تصبح كاميلا هاريس.. أول امرأة ترأس الولايات المتحدة الأمريكية.