سحور على الطريقة الفرنسية

محمود عمارة

محمود عمارة

كاتب صحفي

دعوة من صديق فرنساوى عاشق لمصر، نتعلم منه تاريخ أجدادنا الفراعنة، كيف كانوا يعيشون، يتأملون، يخترعون ويسجلون ابتكاراتهم على ورق البردى ثم جدران المعابد.. الرجل من المولعين بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة. سحور فرنساوى لأنه فقير جداً بالمقارنة بالسحور الشرقى المكدس بالمحاشى واللحوم والفول والطعمية والممبار والطرشى والحلويات، على الطاولة كل ضيف أمامه طبق به قطعتا توست أسمر + بيضة مسلوقة + قطعتا جبن من لبن الماعز والكامونبير + كوب زبادى، ومن حقك واحد شاى! الكرم جاء فى «الحوار»، لم يبخل الرجل فى الحديث عن مصر وأهميتها وثقلها، وعظمتها وتأثيرها فى كل الحضارات. وعلى طريقة الفرنسيين بالجهر بالحقائق، لا يخفى استغرابه واندهاشه لما وصلنا إليه نحن أحفاد الفراعنة من فقر وجهل وتقهقر، ويصب كثيراً من غضبه على «مبارك» ونظامه، وأيضاً ينتقد بقسوة رؤساء فرنسا الذين كانوا سنداً وظهيراً لـ«مبارك» ولكل ديكتاتور فى القارة الأفريقية، ويعتبر أن الحكومات الفرنسية تدعى أمام شعوبها أنها تساعد الشعوب بالمنح والمعونات، ولكن الحقيقة أنها تساند النظم الديكتاتورية والفاشية، التى تحقق لها مصالحها وتتركها تستنزف ثرواتها وتحتل أسواقها. معظم المدعوين من المراسلين الأجانب والعاملين بالسلك الدبلوماسى من الشباب. وبدأ الحديث كالآتى: مسيو «برنارد»، مراسل جريدة «لو كنار أنشينيه»، يسأل: أنت تعرف أننى راهنت على أحفاد الفراعنة عدة مرات، وكررت أنكم قادرون على بناء دولة عصرية حديثة وقوية تقود المنطقة، وتساهم فى تطور الحضارة الإنسانية، لتستعيدوا مكانتكم التاريخية، وها هى الفرصة الآن بعد أن انتخبتم مسيو CC رئيساً، وطردتم «مرسى» والإخوان المسلمين.. سؤالى: هل أنت خائف من عودة النظام البوليسى والقبضة الحديدية؟ وهل الـCC قادر على مواجهة كل التحديات والتراكمات والمشاكل، وأيضاً الطموحات والآمال التى علقها المصريون فى رقبته؟ قولاً واحداً: هذا الرجل الـCC تدعمة الأغلبية الكاسحة، وستظل تدعمه فى كل قراراته الصعبة، لماذا؟ 1- لأنهم يثقون فيه ثقة مطلقة. 2- صاحب قرار، لا يتردد ولا يرتعش، عارف عايز إيه. والأهم: أن دول الخليج أدركت أن سقوط مصر هو سقوط حتمى لهذه الأنظمة ولهذه الدول، وأن مستقبلهم أصبح مرهوناً بنجاح مصر، وبقوة جيش مصر، ولهذا رغم كل ما قدموه من مساعدات سيعقدون مؤتمراً فى أكتوبر المقبل للاتفاق على مشروع مشابه لمشروع مارشال، لبناء مصر الجديدة. س (شاب يعمل حديثاً فى السفارة الفرنسية): تفتكر مصر محتاجة كام لتعيد بناء نفسها؟ قلت بلا تردد: مصر تحتاج مائة مليار دولار على الأقل لمواجهة كل التراكمات، حتى تتمكن من الاعتماد على نفسها، كما تحتاج إلى 25 مليار يجب أن تتنازل عنها الدول الدائنة لخفض الدين الخارجى، وعموماً نحن المصريين مصممون على أن تعود مصر لدورها، وأن نضعها فى المكان اللائق بها على الخريطة العالمية مهما كان الثمن. س (فتاة فرنسية من أصل جزائرى تعمل بالمركز الثقافى الفرنسى بالمنيرة، وتتحدث العربية بصعوبة): أنا هنا من 3 سنوات، وحجم المشاكل التى أراها كبير جداً، فمن أين تأتيك هذه الثقة وأنت تتحدث عن مستقبل مصر (وعلى فكرة أنا باحب مصر جداً)؟ ابتسمت قائلاً: اقرئى ماذا حدث فى حرب أكتوبر مع إسرائيل، ستكتشفين أنه بكل المقاييس وبجميع الحسابات كان مستحيلاً أن يعبر الجيش المصرى قناة السويس؛ فى وجود خط بارليف وفى مواسير النابالم تحت الماء، فى ظل التفوق العسكرى لهم من أحدث الطائرات والدبابات والصواريخ واللوجستيات، والحالة المعنوية للجيش الإسرائيلى بعد انتصاره الساحق علينا فى 67... ورغم كل ذلك وأكثر من ذلك عبرنا القناة، وحطمنا خط بارليف، وانتصرنا عليهم وأجبرناهم على الانسحاب من سيناء بالإرادة، والمثل الفرنساوى بيقول: (Quand on veut on peut) «عندما نريد نستطيع»، ونحن الآن نعيش نفس الظروف.. بالورقة والقلم، وبالحساب، صعب جداً، وإذا قلنا فى 8 سنوات مصر هتبقى واحدة من أكبر 15 اقتصاد × العالم، يبقى مستحيل، لكن بـ«الإرادة» وبـ«الإدارة الرشيدة لمواردنا» سنحقق هذا الحلم، ولأدهشكم وربما أصدمكم: أنا شخصياً أحسد الرئيس الـCC، لماذا؟ لأنه عكس ما يتصور الناس من أن التحديات كبيرة والقضايا متشابكة ومعقدة... أراها سهلة جداً! لماذا أراها سهلة جداً؟ ولماذا أحسد الرجل؟ 1- الرجل وراءه شعب يؤيده + هذا الشعب يتوق ويتلهف، و«شرقان» كرامة بعد الذل والإهانة والمهانة التى عاشها طوال هذه السنين. 2- الظروف الإقليمية والدولية فى صالحنا 100%؛ العرب مصيرهم أصبح مربوطاً بمصيرنا، وهم يملكون الأموال والبترول. ودولياً: روسيا استعادت قوتها، والصين جاهزة لتدخل المنطقة كبديل للأمريكان والأوروبيين. 3- الاتحاد الأوروبى يعيد حساباته الآن، بعد أن اكتشف تعارض مصالحه مع المصالح الأمريكية، وأنه إذا استمر تابعاً لهم فيمكن أن يخسر أكبر وأهم أسواقه فى المنطقة العربية القادرة على إفلاس أوروبا إذا استبدلت المنتجات الروسية والصينية والشرق آسيوية بالأوروبية. 4- مصر لديها 94% من مساحتها «بكراً» لم نكتشف أو نستغل كنوزها وثرواتها المدفونة أو حتى المرئية، ولهذا أقول بكل ثقة: لو كنت مكان الـCC وبنفس الظروف -بطل شعبى وراءه الجيش وكل المؤسسات، وشعب يمنحه ثقته 100%- لوضعت هدفاً واحداً، هو: مصر بعد 8 سنوات: لن يكون فيها «معدم» واحد، وفقيرها لديه الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ومصر EGYPT ستصبح من أقوى 15 اقتصاداً فى العالم. صباح الخير سيادة الرئيس، لديك فرصة تاريخية، ليتحدث عنك التاريخ جيلاً بعد جيل، أكرر: تحدث مع الناس أسبوعياً، شاركهم واعمل معهم، استعن بأهل الخبرة، أطلعنا على خططك وسياساتك وبرامجك (بلاش حكاية السِّرية أوى كده)، ولا تنسَ أبداً الفقراء والمعدمين، وأولهم الآن هم الفلاحون، الفلاحون، الفلاحون.