المتهم مدان حتى تثبت براءته!!

وائل لطفى

وائل لطفى

كاتب صحفي

حين بدأت الصحافة فى التسعينات وحتى ٢٠١١ على الأقل، كانت الصحف تضع شريطاً أسود على ملامح المتهمين الذين تنشر صورهم فى صفحة الحوادث، كان الهدف من هذا الشريط هو إخفاء ملامح المتهم، أو جزء كبير من هذه الملامح حتى لا يتعرض المتهم للوصم.. كانت الصحف أيضاً تتحفظ على نشر أسماء المتهمين، أو الصفات الدالة عليهم، وتكتفى بنشر الحروف الأولى من هذه الأسماء، وكان الهدف أيضاً ألا يتعرض المتهم وأسرته للوصم الاجتماعى وألا يعاقب أفراد أسرة هذا المتهم على جريمة لم يرتكبوها وأن يستطيعوا ممارسة حياتهم العادية حتى لو كان أحد أفراد الأسرة قد أخطأ أو تورط فى جريمة.. بل إن الرئيس مبارك حين أقدم على إصدار القانون ٩٥ الذى أطلق غضب الصحافة المصرية لم يجد تبريراً لإقدامه على هذه الخطوة سوى أن ابنة أحد المتهمين قد شكت له من نشر الصحف لاسم والدها مما دمر حياتها هى وإخوتها.. ورغم التراجع عن القانون إلا أن الواقعة كانت رسالة دفعت الصحف للالتزام بقاعدة عدم نشر أسماء المتهمين ولا صورهم، وهى قاعدة تنص عليها مواثيق الشرف الصحفى فى العالم كله.

لقد تصادف خلال الأيام الماضية أن انطلقت الصحف والمواقع الإلكترونية فى نشر أخبار جريمتين.. أطلقت على أولاهما جريمة (عنتيلة المحلة) التى اتهمها زوجها بممارسة الجنس مع أربعين شخصاً وهى (وفق رواية الزوج) لم تكتفِ بهذا.. ولكنها صورت نفسها بنفسها أثناء لقاءاتها بالأربعين عاشقاً ووضعت الصور على فلاشة وخبأتها فى مرتبة فراش الزوجية، ورغم أنها -كما اكتشفنا بعد ذلك- قد غادرت منزل الزوجية لخلافات مع الزوج.. إلا أنها تركت له دليل إدانتها داخل المرتبة.. وبعد نشر مكثف استغرق يوماً أو يومين.. وبعد وصم الزوجة بأنها (عنتيلة) وهو وصف يحمل حكماً بالإدانة المطلقة.. وبعد هذا النشر المكثف وبعد أن شعر من شعر بالإدانة وبمدى التردى الذى وصلنا له، فوجئنا برواية أخرى مصدرها تحقيقات النيابة العامة، تقول إن الزوجة بريئة، وإن الملابسات ليست كذلك، وأن الزوج استغل صوراً حميمة بينه وبين زوجته فى الادعاء عليها.. وأن عدد الصور ليس أربعين ولكن اثنتين فقط.. وكانت المفاجأة أن مصدر المعلومات للصحف والمواقع التى نشرت كانت محامى الزوج والزوج نفسه، وليس محضر النيابة كما علّمونا فى الماضى.. إذ كان نشر وجهة نظر طرف واحد فى قضية ما مؤشراً على ضعف مهنى أو فساد مستتر يدفع الصحفى عن نفسه الاتهام به من خلال السعى لاستنطاق كلا الطرفين فضلاً عن رأى خبير محايد.. وكانت الصدفة فى هذه القضية أن إمكانات الزوج فى التلفيق كانت ضعيفة، فى حين أن إمكانات تركيب الصور والفيديوهات صارت متقنة جداً جداً وقد شاهدت فيديو لملكة إنجلترا إليزابيث ترقص فيه إحدى الرقصات الشهيرة وعرفت أنه مركّب ببرنامج جديد ترجمته العربية هى (التزييف العميق).

ورغم أننى أنتمى لمدرسة هى أقرب للصحافة الشعبية، ورغم أننى أسست وترأست تحرير صحيفة تنتمى لهذا النوع من الصحافة.. إلا أننى شعرت بخجل حقيقى وأنا أتابع أخبار اتهام أحد أطباء الأسنان بالتحرش بفنان معروف.. إننى لا أعرف هذا الطبيب ولا أنوى أن أعرفه.. لكن تغطية الإعلام للقضية بدت لى فجة، وغير مهنية، وتستند إلى أقوال طرف واحد.. فضلاً عما يسوقه الفنان من تفاصيل حول تحرش الطبيب به وهو أمر أخجل من أن تشاهده أسرتى فضلاً عن أن أتابعه أنا أيضاً.. التحرش الجنسى جريمة بكل تأكيد.. لكن النيابة العامة أصدرت قراراً منذ فترة بأن تكون بيانات المبلّغين سرية وأقوالهم كذلك.. وأظن أن هذا ينطبق على ضحايا التحرش من الجنسين.. وكان الأوفق والأنسب أن يتقدم الفنان ببلاغه وأن تبقى التحقيقات سرية حتى يصدر حكم المحكمة وهنا يتم الإعلان عن القضية.. إذا كان ثمة ضرورة للإعلان عنها.. أعرف أن سباق المواقع على (التريند)جعل الجميع يتغافلون عن أشياء كثيرة، وأن التداخل بين وسائل التواصل الاجتماعى التى يحررها المواطن الفرد وبين المواقع والصحف المهنية صار أكثر من اللازم وأنه أحدث حالة من اللخبطة والتشويش.. فضلاً عن دخول أجيال أحدث للمهنة لم يتم تربيتها على قواعد المهنة الكلاسيكية لأسباب متعددة، وربما كانت هناك أسباب أخرى لهذه الحالة التى أظنها غير مسبوقة فى صحفنا ومواقعنا الإلكترونية، ومع هذا التفهم فإن دق ناقوس الخطر واجب، خاصة أن المجتمع يبدو محافظاً فى جوانب (القبض على فتيات التيك توك مثلاً)ومتساهلاً فى جوانب أخرى (مثل نشر أوصاف وعبارات تحرش ذَكَر بذَكَر آخر).. وهى حالة ازدواج يجب أن نوقفها أولاً وأن ندرسها ثانياً.. خاصة أننا قد قلبنا القاعدة على رأسها وأصبحنا نطبق القاعدة التى تقول (المتهم مُدان حتى تثبت براءته) بدلاً من (المتهم برىء حتى تثبت إدانته)!.. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.