عفريتة سلماوي وعفاريتنا!
دلالات كثيرة لكلمة (عفريتة) فى العامية المصرية.. فهى مؤنث لكلمة عربية فصيحة هى كلمة (عفريت)، الذى هو فرد من الجن.. وهى أيضاً تُقال فى وصف بدلة العمل الزرقاء التى يرتديها العمال فى المصانع.. وهى قد تُستخدم لوصف شطارة شخص ما وقدرته على الإنجاز، كأن يُقال على فتاة معينة إنها (عفريتة).. لكن الكاتب الكبير محمد سلماوى أتى بمعنى (جديد - قديم) للعفريتة وأطلقه على آخر كتبه الصادر عن الهيئة العامة للكتاب.. المعنى الذى أطلقه الأستاذ سلماوى يرتبط بسنوات ما قبل ظهور الديجيتال، حيث كانت الصور تُلتقط على فيلم داخل الكاميرا.. هذا الفيلم كانت الألوان فيه معكوسة.. فما هو أبيض فيه يتحول إلى أسود عند الطباعة.. وما هو أسود يتحول إلى أبيض.. وهو المنهج نفسه الذى اتبعه «سلماوى» فى مقالاته الساخرة التى ضمّها الكتاب.. فهو يتبع منهجاً معكوساً وبدلاً من أن يقول إن شيئاً ما يستحق السخرية منه والضحك عليه، يتبنى موقف الطرف الذى يستحق السخرية، ويفكر بدلاً منه، لتأتى المحصّلة النهائية ساخرة ومضحكة.
وقد قسّم الأستاذ سلماوى مقالاته إلى فصول شتى، منها ما هو فى الثقافة وفى السياسة وفى الفن وفى الصحافة.. ورغم أن المقالات كُتبت منذ وقت مبكر، إلا أنها اشتبكت مع قضايا ما زالت مطروحة حتى اللحظة، وإن اتّخذت شكلاً أكثر تشوّهاً، ومن هذه المقالات تلك التى يسخر فيها من اهتمام الصحف المصرية بالفستان الذى ارتدته يسرا فى افتتاح مهرجان القاهرة ورغبة الصحفى فى أن يضع على لسانه -كمصدر- تعليقاً يُدين يسرا.. من المقالات الجميلة فى الكتاب أيضاً ذلك المقال الذى يروى فيه تجربته مع الأدب الزائد الذى يبديه موظفو «خدمة العملاء» فى شركات الاتصالات، والذى عادة ما يكون مصحوباً بعدم حل مشكلة العميل ودفعه إلى مزيد من المعاناة.
من المقالات الساخرة والموجعة أيضاً تلك المقالات التى يتعرّض الكاتب فيها للحياة فى اليابان ويقارن بين صور منها وصور من حياة المصريين فى مصر المعاصرة.. وهى سخرية موجعة تثير الضحك بقدر ما تدفع إلى البكاء.. خاصة أن الكاتب يعود إلى التاريخ ويذكّرنا بأن اليابان أرسلت بعثة لدراسة النهضة المصرية عام ١٨٦٢، بهدف التعلّم من التجربة المصرية فى مجال التعليم.
والحقيقة أننى قرأت الكتاب الممتع بينما كنت مشغولاً بالتفكير فى أمرين.. أولهما أننا مع مضى السنوات وخطوات تمكين الشباب فى حاجة لأن ننظر إلى الوراء ونُكرّم المبدعين المصريين من جيل الستينات والسبعينات الذين حاربوا معركة المجتمع المصرى مع قيم التخلف والإرهاب التى كان البعض يحاول فرضها على المصريين، ولا شك أن الأستاذ سلماوى واحد من هؤلاء الواجب الاحتفاء بهم، مثله مثل داود عبدالسيد ونبيل عبدالفتاح، وإبراهيم عبدالمجيد، ويسرى نصر الله.. وآخرين من أبناء هذا الجيل.
أما المعنى الآخر الذى تبادر إلى ذهنى فهو أن الصحافة طالما كانت ظالمة للأديب الذى يعمل بها.. والدليل أن هذه المقالات التى تنتمى إلى الأدب الساخر الجميل تكاد تكون قد مرت مرور الكرام أثناء نشرها فى كل يوم جمعة فى جريدة «المصرى اليوم» وسط زحمة الأحداث والصراعات فى فترة صاخبة وموارة من التاريخ المصرى.. ويبقى أن كتاب «العفريتة» عمل جميل ومبهج تدفع مقالاته إلى السخرية والتفكير فى زمن عز فيه التفكير.