كان معارضاً سياسياً قوياً، وكانت مقالاته تهز نظام مبارك، وتعرض لمشاكل هائلة وقتها ولكنه كان شجاعاً ومنطلقاً من ثوابت وطنية راسخة أكسبته احترام الجميع، ولكنه منذ عامين لم يعد الشخصَ نفسه، أصبح يكتب فى «المضمون»، صار وديعاً أكثر مما يجب، أصبح حمامة بعد أن كان أسداً، صارت كلماته باهتة ومواقفه رخوة وآراؤه ضحلة، صار تابعاً بعد أن كان قائداً فكرياً عظيماً، أصبح يتحسس خطوات السلطة ويتلمس رضاها، فقدَ لونه وطعمه وأثره.
أترك لخيالك عزيزى القارئ فرصة معرفة من هو أو من هم فقد يأتى فى بال كل منا اسم لكاتب أو مفكر، فقد حدث هذا التغير الحاد والمفاجئ لأكثر من شخص، والمشكلة ليست فى الأسماء ولكن فى المناخ الذى يجعل هؤلاء هكذا، خاصة أن التغير الذى طرأ عليهم أصاب معتقداتهم ومبادئهم التى عاشوا يناضلون من أجلها.
قد يقول قائل «وما العيب فى ذلك.. أليس وارداً أن يغير الإنسان قناعاته وتوجهاته ومعتقداته؟.. أليس من الأفضل لأى نظام أن يتحول المعارضون لمؤيدين يعضدون خطواته ويباركون قراراته ويسهلون انطلاقاته فى مرحلة صعبة كالتى نعيشها؟».
قابلت بعضهم ممن كانت تجمعنى بهم صداقة أو معرفة، وكانت الآراء مختلفة، فمنهم من يرى أن موقفه تغير لتغير الظروف وأنه على قناعة تامة بما يجرى ومؤيد له وراضٍ عنه، ومنهم من يرى أنه معترض على أشياء كثيرة ولكن المرحلة الحرجة التى تمر بها البلاد لا تحتمل المعارضة، ومنهم من يهمس بأن الظروف الحالية مختلفة وأن المناخ لا يسمح بما كان مسموحاً به من قبل حتى أيام مبارك. ويبدو أن الهمس الأخير صار مدوياً فى نفوس الكثيرين من الكتاب والمفكرين، والدليل على ذلك عدم وجود معارضة سياسية حقيقية على مستوى الأحزاب أو على مستوى الرأى. وهنا يقول قائل: أليس هذا مفيداً فى تلك المرحلة بناءً على مبدأ نادى به عبدالناصر من قبل: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، ونحن كما ترى فى معركة حقيقية وخطرة مع الإرهاب الذى يستنزف الدولة كل يوم ويحاول أن يهز هيبتها واستقرارها؟
وهل مطلوب من الكتّاب والمفكرين أن يكونوا ضد السلطة دائماً؟
أليس من المقبول، بل من الواجب، أن يؤيدوها حين تكون على الطريق الصحيح أو حين يكون الوطن فى خطر؟
قد يناور السياسى والحزبى لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، وهذا معروف، وربما معتاد، فى عالم السياسة، أما فى عالم الرأى والفكر فإن الكاتب أو المفكر لا يستحب أن يكون راضياً تماماً عن أداء السلطة (مهما علا أداؤها) لأنه يمثل معايير مرتفعة تسبق وتعلو على أداء أى سلطة وتستفز السلطة دائماً للتحسين وتدفعها للتصحيح، خاصة أن أى سلطة وهى تمارس مهامها فى الحياة اليومية المعقدة لا بد أن تقع فى أخطاء ويشوب أداءها القصور مما يستدعى التنبيه والتحذير والنقد البنّاء الذى يصحح المسيرة. والأخطر من ذلك هو أن السلطة نفسها لها تأثير سحرى على من يقعد على كرسيها فتحدث لديه تغيرات كثيرة تدفعه فى اتجاهات التسلط والاستبداد دون أن يدرى، ولذلك يحتاج لجرعات مناعة متكررة للحفاظ على سلامته وسلامة المجتمع، وهذا ما تحققه المعارضة على مستوى الأحزاب السياسية والمعارضة على مستوى الرأى والفكر، وأى نظام يفقد هذه الوسائل المناعية يصبح فى خطر الوقوع فى دوائر الديكتاتورية والفساد، طال الوقت أم قصر.
وكلنا يذكر فترة حظر التجول التى أعقبت قرارات 4 يوليو 2013م والذى بدأ ساعات طويلة يومياً ثم تقلص بالتدريج مع الوقت حتى انتهى، ويبدو أن هذا الحظر الأمنى فى ظروفه الاستثنائية قد صاحبه «حظر تجول سياسى» استقر فى وعى الكثيرين من الكتّاب والمفكرين، وأنه لم يقلّ بالتدريج أو ينتهى كما انتهى الحظر الأمنى المدعوم بالدبابات والعربات المدرعة. وبعضهم يقول: ألا نأخذ درساً مما حدث لبلال فضل وعمرو حمزاوى وفهمى هويدى وباسم يوسف؟
وهذا صحيح، ومن أجل هذا يصبح وقف عمود صحفى أو وقف برنامج، أو منع مفكر أو كاتب من التعبير بمثابة «حظر تجول سياسى» لأنه يعطى إشارات حمراء للباقين بأن «مصيركم كهؤلاء»، وأنكم إذا تجاوزتم الخط المرسوم ستجلسون فى بيوتكم وتحارَبون فى أرزاقكم، وهنا يتراجع الجميع وتفتح الصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون فلا تجد إلا مدحاً وتأييداً ومبايعة، وبهذا تفقد السلطة بوصلتها ويفقد المجتمع جهاز المناعة الطبيعى فى كل النظم السياسية الديمقراطية حيث تعتبر المعارضة محفزاً ومصححاً ومنبهاً للسلطة، ولا تكتسب السلطة مشروعيتها وموضوعيتها واحترامها إلا فى وجود معارضة قوية على المستوى الحزبى وعلى مستوى الرأى.
لم يبقَ فى الصحافة المصرية رأى معارض حقيقى باستثناء أفراد قلائل، وهناك أصوات كثيرة تطالب بوقفهم (باعتبارهم طابوراً خامساً)، ومذهبهم فى ذلك: «اضرب المربوط يخاف السايب»، وحين تنعدم المعارضة السياسية أو تضعف فإن هذا يفتح أبواباً واسعة ومتزايدة للعنف والإرهاب.
وليحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء.